المستثمرون يتجهون إلى سندات الأسواق الناشئة بسبب التضخم وقوة العملات

شهدت الأسواق الناشئة تحوّلاً ملحوظاً في فئات الأصول خلال 2026 مع تزايد إقبال المستثمرين على السندات المرتبطة بالتضخم، بعد أداء تفوق بشكل واضح على السندات التقليدية، بحسب بيانات ومحللين. ويأتي هذا التوجه نتيجة مخاوف من استمرار الضغوط السعرية، تقلبات العملات وارتفاع تكاليف الطاقة، ما جعل السندات المرتبطة بالتضخم محور بحث عن تحوط مقابل التضخم.
السندات المرتبطة بالتضخم تتصدر استثمارات الأسواق الناشئة
أظهر مؤشر بلومبيرغ للسندات الحكومية المرتبطة بالتضخم في الأسواق الناشئة عائداً بلغ 11.3٪ منذ بداية 2026 وحتى منتصف أغسطس، مقارنة بمكاسب 1.5٪ لمؤشر أوسع للسندات الحكومية المحلية وتراجع المؤشر العالمي المجمع للسندات بنحو 0.1٪، بحسب بلومبيرغ. ونمت فئة الأصول هذه إلى نحو 886 مليار دولار متأثرة بارتفاع بعض عملات الأسواق الناشئة وتجدد الضغوط التضخمية.
في المقابل، أدت هذه المكاسب إلى زيادة البحث عن فرص جديدة خارج البرازيل والمكسيك اللتين تهيمنان على السوق، مع توجه الاهتمام نحو تشيلي وبولندا والأرجنتين، بحسب معلومات متداولة بين المؤسسات الاستثمارية.
لماذا يزداد الإقبال على السندات المرتبطة بالتضخم؟
تختلف السندات المرتبطة بالتضخم عن السندات التقليدية برهن مدفوعات الفائدة وقيمة أصل الدين بتغير مؤشر أسعار المستهلكين، ما يمنح المستثمرين حماية نسبية عندما يتصاعد التضخم. لذلك، مع تجدد ضغوط الأسعار وارتفاع تكاليف الطاقة والأغذية، باتت هذه الأدوات أكثر جذباً كتحوط ضد خسائر القوة الشرائية.
بحسب بنجامين سوزا، رئيس استراتيجية أمريكا اللاتينية لدى بلاك روك، أصبحت هذه السندات جذابة في البيئات غير المؤكدة، لكن ضرورة انتقاء الأسواق تظل قائمة لأن علاقة المخاطر والعوائد تختلف من دولة إلى أخرى.
خيارات الأسواق وتباين استراتيجيات المستثمرين
بعد الأداء القوي في البرازيل والمكسيك، أبلغ مدراء محافظ ومؤسسات مثل فونتوبل وأبردين وجيه بي مورغان عن تمييز انتقائي بين الأسواق. فضل بعضهم الأرجنتين بينما انصرف البعض عن البرازيل نتيجة ارتفاع التوقعات الضمنية للتضخم.
قال مدراء محافظ إن بولندا وجنوب أفريقيا تظلّان مرشحتين لاطلاع طويل الأجل نظراً للتقييمات والسيولة، لكن محللين آخرين حذروا من أن هذه السندات قد تكون «مرتفعة السعر» في العديد من الأسواق باستثناء بولندا.
قوة العملات وتأثيرها على العوائد
لم تقتصر مكاسب السندات المرتبطة بالتضخم على تعويضات التضخم فقط، بل استفادت أيضاً من قوة عملات أمريكا اللاتينية. ويُعتبر البيزو الكولومبي والريال البرازيلي والبيزو المكسيكي من أفضل العملات أداء في الأسواق الناشئة خلال العام، ما عزز العوائد للمستثمرين الأجانب.
بحسب بريندان ماكينا، استراتيجي العملات وأسعار الفائدة لأمريكا اللاتينية لدى سوسيتيه جنرال، دعم التضخم المتصاعد تفوق أداء السندات المرتبطة بالأسعار، فيما وفّرت قوة العملات عامل رافد إضافي للعوائد خلال 2026.
مخاطر بيئية ونقدية تؤثر على الرهانات
تزداد المخاطر بتأثير ظاهرة النينيا أو النينيو على أنماط الطقس، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والكهرباء وبالتالي إعادة إشعال التضخم في دول معينة، خصوصاً بأمريكا اللاتينية. وفي تركيا رفع البنك المركزي توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى 28٪ من 26٪ مع اعتراف بعدم تحقيق كامل الأهداف، ما يعقّد خيارات المستثمرين.
علاوة على ذلك، أعادت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بعض البنوك المركزية إلى تقييم مساراتها النقدية، وهو ما جعل عوائد بعض السندات التقليدية تبدو أكثر جاذبية نسبياً، ودفع بسبب ذلك إلى تحول جزئي بعيداً عن السندات المرتبطة بالتضخم في أسواق مثل البرازيل والمكسيك.
تقييمات السيولة والاختيارات المستقبلية للمستثمرين
تستحوذ البرازيل والمكسيك على أكثر من نصف السندات المرتبطة بالتضخم المؤهلة للمؤشرات، فيما يقدر إجمالي هذه الديون بأكثر من 800 مليار دولار، بحسب بلومبيرغ إنتليجنس. ومن ثم، فإن السيولة في كل سوق وتوقعات التضخم الحقيقية والضمنية تؤثر بقوة في اختيارات المستثمرين.
غير أن بعض المؤسسات ترى فرصاً في بولندا وتشيلي وكولومبيا، بينما يحذر محللون من ارتفاع أسعار عدد من هذه السندات في ظل تزايد الطلب وتغير تقييمات المخاطر.
نقاط يجب مراقبتها
من المتوقع أن يراقب المستثمرون بيانات التضخم الشهرية، قرارات البنوك المركزية ونتائج المواسم الزراعية المتعلقة بظواهر الطقس، إضافة إلى تحركات العملات المحلية أمام الدولار. كما سيبقى تقييم السيولة في أسواق السندات المرتبطة بالتضخم عاملاً حاسماً للمدى القصير والمتوسط.
خاتمة وتوقعات
تبدو السندات المرتبطة بالتضخم خياراً متقدماً للمستثمرين الباحثين عن تحوط ضد التضخم وتقلب العملات في الأسواق الناشئة، لكن الانتقائية ضرورية بسبب تفاوت المخاطر والتقييمات بين الدول. وتشير التوقعات إلى أن متابعة بيانات التضخم المقبلة وسياسات البنوك المركزية خلال الأشهر المقبلة ستكون الحاسمة لتحديد استمرار هذا الزخم أو تراجعه.
من ناحية العملية، ينبغي للمهتمين متابعة مؤشرات بلومبيرغ وتقارير البنوك المركزية المحلية وإشارات السيولة في كل سوق قبل توسيع المراكز، مع مراقبة أي تطورات جيوسياسية أو بيئية قد تعيد تشكيل مشهد العوائد في الأسواق الناشئة.












