اقتصاد

التضخم يقفز مع استعداد البنوك المركزية لرفع الفائدة

البنوك المركزية تواجه ضغوطا مع تصاعد التضخم العالمي

تواجه البنوك المركزية ضغوطا متصاعدة بعد ارتفاع أسعار النفط نتيجة اندلاع حرب في منطقة الخليج، إلى جانب موجة إنفاق حكومي ودفق استثمارات هائل في قطاع الذكاء الاصطناعي، ما دفع معدل التضخم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أعلى مستوياته منذ عامين. بحسب تقارير بلومبيرغ، أدت هذه التطورات إلى تزايد توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة في عدد كبير من الدول خلال الأشهر المقبلة.

في المقابل، يبدو أن مسار قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي أقل وضوحا بعد تراجع مؤشرات التضخم في الولايات المتحدة، بينما يستعد مصرفيون في اليابان وكوريا الجنوبية ومنطقة اليورو وكندا وبريطانيا لاتخاذ إجراءات تشديدية مستقلة، وهو ما سيؤثر بشدة على سوق السندات واستراتيجيات المستثمرين العالميين.

سبب الضغوط وتأثيرها المباشر على التضخم

تجمع عدة عوامل لإحداث تسارع تضخمي واضح: صدمة عرض نفطي مرتبطة بعمليات عسكرية في إيران، ونفقات دفاعية واجتماعية مرتفعة في عدد من الدول، بالإضافة إلى موجة استثمارات ضخمة في شركات تركز على الذكاء الاصطناعي وإنتاج أشباه الموصلات. علاوة على ذلك، أدت هذه الضغوط إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية، مما انعكس على مؤشر أسعار المستهلكين في العديد من الاقتصادات.

بحسب بيانات جمعتها بلومبيرغ، يتوقع المتعاملون زيادات تراكمية في أسعار الفائدة تصل إلى نحو 400 نقطة أساس عبر سبعة أسواق رئيسية خلال العام المقبل، ما يعكس قناعة واسعة بأن البنوك المركزية ستحتاج إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة ارتفاع التضخم.

تأثير القرارات على سوق السندات والأسواق المالية

رفع أسعار الفائدة يؤدي عادة إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية، وهو ما يجعل السندات أقل ملاءمة لبعض المستثمرين الذين كانوا يعتمدون عليها كأداة أمن وتنويع. في الوقت نفسه، قد يجذب ارتفاع العوائد شرائح من المستثمرين نحو الاحتفاظ بالنقد أو السندات بدلا من الأسهم، ما يضغط على تقييمات الشركات ويزيد تكلفة الاقتراض لديها.

وفي كوريا الجنوبية، تكبدت السندات الحكومية خسائر كبيرة تجاوزت 9% مقومة بالعملة المحلية هذا العام، بحسب رصد بلومبيرغ، مما وضعها في أسوأ أداء بين نحو 44 سوقا للسندات تتابعها الوكالة. وفي أوروبا، ارتفعت عوائد السندات في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بنحو 30 نقطة أساس خلال العام الجاري، بعد أن بدأ البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة مبكرا لمواجهة صدمة الطاقة.

تباين سياسات البنوك المركزية وتوقعات رفع أسعار الفائدة

تتباين ردود البنوك المركزية على الصدمة التضخمية؛ فبينما يبدي مجلس الاحتياطي الفدرالي مرونة نسبية مع تراجع معدل التضخم الأمريكي إلى 3.4% على أساس سنوي حتى يوليو/تموز، تشير أدوات السوق مثل أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي إم إي إلى احتمال محدود لرفع سعر الفائدة في سبتمبر. في المقابل، يواجه بنك اليابان وبنوك أخرى ضغوطا خارجية وخاصة من الولايات المتحدة لرفع فائدة عملاتها، حيث يبلغ فرق الفائدة بين الين والدولار نحو نقاط كبيرة.

كما أفادت تقارير بأن متداولي الأسواق يتوقعون زيادات في تكلفة الاقتراض بوتيرة أسرع في كل من اليابان وكندا والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو مقارنة بالولايات المتحدة خلال العام المقبل، وهو ما يعكس قناعة منتشرة بأن بعض البنوك المركزية ستختار مسارا تشديديا مستقلا.

مخاطر اقتصادية للسياسات التشديدية وفرص للمستثمرين

تشديد السياسة النقدية قد يساعد في كبح التضخم لكنه يحمل مخاطر تباطؤ النمو وزيادة تكلفة خدمة الدين العام، خصوصا في دول تواجه عجزا ماليا متزايدا أو ديونا مرتفعة. من ناحية أخرى، يقدم ارتفاع عوائد السندات فرصة للمحافظ التي تبحث عن بدائل منخفضة المخاطر للحصول على عوائد أفضل، بحسب مديري المحافظ الاستثمارية الذين نقلت عنهم بلومبيرغ تصريحات حول تحوّل بعض المستثمرين نحو السيولة والسندات الحكومية.

علاوة على ذلك، قد تؤدي الزيادات المتزامنة في أسعار الفائدة عالميا إلى تقلبات أكبر في أسواق الصرف الأجنبية، مما يزيد ضغوطا على عملات الأسواق الناشئة ويجعل إدارة السياسات النقدية أكثر تعقيدا.

ماذا يجب أن يراقب المتابعون في الفترة المقبلة

ينبغي مراقبة عدد من المؤشرات والاجتماعات الرئيسية: تقارير التضخم ومؤشر أسعار المستهلكين في الاقتصادات الكبرى، اجتماعات البنوك المركزية المقبلة لا سيما مجلس الاحتياطي الفدرالي وبنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي، وأسعار النفط وتطورات الحرب في منطقة الخليج. كما سيكون لسلوك سلسلة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي وأداء شركات إنتاج الرقائق أثر مهم على الضغوط التضخمية والمالية.

كما يجدر بالمتابعين الانتباه إلى مؤشرات الأسواق المالية حول توقعات رفع أسعار الفائدة، إذ يمكن أن تتغير بسرعة مع صدور بيانات اقتصادية مفاجئة أو تطورات جيوسياسية.

خلاصة وخطوة تالية متوقعة

تواجه البنوك المركزية تحديا صعبا بين الحاجة لكبح التضخم وحماية النمو الاقتصادي، مع تأثيرات ملموسة على سوق السندات والأسواق المالية. في الأمد القريب، من المتوقع أن تستمر الأسواق في تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة في عدد من الدول، بينما سيبقى قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي مقرونا بقراءة بيانات التضخم الأمريكية.

المطلوب من القراء والمستثمرين متابعة بيانات التضخم المقبلة واجتماعات البنوك المركزية ومؤشرات أسعار الطاقة عن قرب، إذ ستحدد هذه العناصر مسار السياسة النقدية وأسعار الأصول خلال الربعين المقبلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى