من العراق إلى إيران لماذا تعيد أمريكا أخطاء الحروب الطويلة

تتصاعد المخاوف الدولية من تبعات الحرب على إيران بعدما تحول التورط العسكري الأمريكي هناك من سلسلة ضربات محدودة إلى مواجهة أوسع أثرت في توازنات إقليمية وخلقت سؤالا مركزيا حول قدرة واشنطن على مقاومة منطق الحرب. بحسب تحليلات منشورة في دوريات أمريكية، فإن هذه المواجهة لا تتعلق بتكلفة العمليات فقط بل بمستقبل السياسة الإستراتيجية للولايات المتحدة.
في الأشهر الأخيرة سجلت مقالات لصحفيين وباحثين بارزين—من بينهم إيما أشفورد في مركز ستيمسون ونهال طوسي في مجلة بوليتيكو—تحليلا للسبب وراء غرق الإدارة الأمريكية في نزاع متجدد حول طهران، مع إشارات إلى استنزاف ذخائر دقيقة وتوسيع نفوذ إيران في المنطقة، وتأثير ذلك على حرية الحركة الأميركية في مضيق هرمز.
الحرب على إيران: جذور التورط الأمريكي وأسبابه
تعود جذور هذا التورط إلى مزيج من قرارات إدارية، حوافز مؤسسية، وضغط سياسي داخلي. بحسب إيما أشفورد في تقريرها، فإن بنية النظام السياسي الأمريكي وقصر آفاق الرقابة الكونغرسية سهلت على الرؤساء بدء عمليات عسكرية دون تفويض واضح، ما جعل خيار الحرب أمرا متاحا بصورة مريحة.
في المقابل، ترى تقارير أخرى أن الإدارة الحالية أعادت تعريف أولوياتها بعد وعود بإنهاء “الحروب الأبدية”، لكن هذه الوعود اصطدمت بمآلات ميدانية أدت إلى تصاعد التورط الأمريكي بدلا من تبسيطه. لذلك، فإن الأسباب تشمل عوامل داخلية مثل صراعات أيديولوجية داخل الحزب الجمهوري، وعوامل خارجية كالرد الإيراني على الضربات والتهديدات للملاحة.
حوافز بنيوية تدفع الولايات المتحدة نحو التصعيد
تصف أشفورد الحوافز داخل النظام السياسي الأمريكي بأنها “ضارة”: نظام رئاسي يمنح الرئيس قدرة واسعة على تحريك قوة عسكرية كبيرة بسرعة، وكونغرس لم يمارس صلاحية إعلان الحرب منذ عقود، ما جعل البدء في عمليات قتالية أسهل من سحبها أو إنهائها.
علاوة على ذلك، فإن النجاح التكتيكي في ضرب أهداف محددة يمنح صقورا داخل الحكم مزيدا من النفوذ، ويقلل من قدرة دعاة ضبط النفس على فرض سقف للتدخل. وفي ظل توزيع تكاليف الحرب على نطاق واسع، لا يشعر جمهور الناخبين مباشرة بكل تبعات المدى الطويل، وهذا بدوره يقلل من الضغوط الشعبية الفورية على صانعي القرار.
تداعيات الصراع على مضيق هرمز والأسواق العالمية
أدى التوتر المتصاعد إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يحمل تبعات اقتصادية عالمية لأن الممر estratégico يمر عبره جزء كبير من شحنات النفط والغاز. تشير تقارير إلى أن أي إغلاق جزئي أو عمليات تهديد متكررة قد ترفع أسعار الطاقة وتزيد تكلفة التأمين على الشحن.
في الوقت نفسه، امتد تأثير المواجهة إلى قواعد ومصالح أمريكية وإقليمية، ما جعل الردود الإيرانية أكثر تنوعا واستهدافا لمناطق حساسة. لذلك فإن الخطر الاقتصادي والسياسي يفاقم مأزق واشنطن ويزيد صعوبة إيجاد حل تفاوضي سريع.
خيارات واشنطن والمآزق الإستراتيجية
تواجه الإدارة الأمريكية ثلاثة مسارات متضاربة: تكثيف الضغط العسكري سعيا لفرض تغيير أو إضعاف النظام، الانسحاب أو تخفيض مستوى التورط مقابل تنازلات سياسية واقتصادية، أو خيار وسط يجمع بين حصار سياسي واقتصادي طويل المدى مع عمليات عسكرية محدودة. كل خيار يحمل مخاطره؛ فالمزيد من القوة ليس مضمون النجاح، والانفتاح على تنازلات قد يُتهم الرئيس بالضعف داخليا.
بحسب نهال طوسي، تواجه واشنطن مشكلة تعريف “النصر” بوضوح. إدارة لا تزال غير متفقة داخليا حول أهدافها سترتد عليها الحروب المتطاولة لأنها ترفع سقف المطالب من البداية مما يجعل التراجع السياسي معقدا للغاية.
الانقسام الداخلي وتأثيره على القرار
الانقسام بين التيارات داخل واشنطن واضح: صقور يدعون لمزيد من الضغط العسكري، ومحافظون يدعون لضبط النفس، وجناح ثالث يفضل الضغوط الاقتصادية والحصار. هذا الخلاف يعكس صعوبة التوصل إلى استراتيجية متماسكة طويلة الأمد، ويجعل القرار عرضة للتقلبات تبعا لاعتبارات سياسية داخلية أكثر من معطيات إستراتيجية بحتة.
ماذا يجب مراقبته قريبا؟
الخطوات المقبلة التي تستحق المتابعة تشمل تحركات الكونغرس بشأن تفويضات استخدام القوة أو محاولات لإعادة فرض رقابة دستورية، مستويات استنزاف الذخيرة الدقيقة في المخزون الأمريكي، وتطورات على صعيد تهديد الملاحة في مضيق هرمز. كما يجب مراقبة طبيعة الردود الإقليمية من حلفاء إيران وشركاء الولايات المتحدة وأي محاولات دبلوماسية تلوح على أفق الملف.
إضافة إلى ذلك، قد يشكل تصاعد النفوذ الداخلي للتيار المحافظ المتشدد مؤشرا على استمرار منطق التدخل، ما يعني إمكانية تمدد الصراع أو بقاءه كبؤرة توتر طويلة الأمد.
خلاصة القول أن الحرب على إيران تضع أمام الولايات المتحدة اختبارا لإمكانات ضبط النفس المؤسسي ولقدرة النظام السياسي على وضع حدود لاستخدام القوة. القرارات القادمة ستحدد إن كانت المواجهة ستنحسر خلال أشهر أم تتحول إلى جهد طويل الأمد يفرض قيودا على خيارات واشنطن الإقليمية والعالمية.












