انفجار أمراض حيوانية المنشأ من إيبولا إلى هانتا

الأمراض الحيوانية المنشأ: تهديد صحي عالمي متصاعد
لم تعد الأمراض الحيوانية المنشأ قضية محلية بل تحولت إلى تحدٍّ صحي عالمي. بحسب منظمة الصحة العالمية، نحو ٧٥٪ من الأمراض المعدية الناشئة لدى الإنسان مصدرها الحيوانات، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن ستة من كل عشرة أمراض معدية معروفة لدى البشر تنتمي إلى هذه الفئة. هذه المعطيات تضع مسألة الاحتراز والجلوس على أدوات الترصد الوبائي في صدارة الأولويات.
تسبب هذه الأمراض سنويًا أعدادًا كبيرة من الإصابات والوفيات، وشهدت العقود الأخيرة انتقال عشرات مسببات الأمراض من الحيوان إلى الإنسان. في هذا السياق يؤكد الأستاذ الدكتور عبد الله سامي مدير وحدة الصحة الواحدة بجامعة عين شمس أن السيناريوهات المحتملة للأوبئة القادمة مرتبطة بترابط عوامل بيئية واجتماعية واقتصادية.
كيف تنشأ الأمراض الحيوانية المنشأ ولماذا تتزايد؟
تنشأ الأمراض الحيوانية المنشأ عندما تقفز مسببات عدوى من مستودعات حيوانية إلى البشر، غالبًا بوساطة ناقل بيولوجي أو عبر احتكاك مباشر. هناك ما يشبه مثلث الانتشار يتكوّن من الحيوان الناقل، وسياق بيئي مناسب، ووجود الإنسان في دائرة الاحتكاك.
من العوامل التي تزيد من وتيرة الانتقال: التوسع العمراني على حساب الغابات، تكثيف تربية الحيوانات، تغير المناخ الذي يوسّع نطاق الحشرات الناقلة، وسهولة الحركة والسفر الدولي. لذلك فإن انتشار بعض الأمراض في مناطق جديدة لم يعد مفاجئًا، كما شهدنا مع فيروسات انتقلت عبر الطيور أو الحشرات إلى قارات بعيدة.
قائمة الأمراض وتأثيرها الإقليمي
تشمل السلسلة المعروفة من الأمراض الحيوانية المنشأ داء الكلب، الإنفلونزا الطيرية والخنزيرية، إيبولا، ماربورغ، متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، حمى القرم-الكونغو، حمى الوادي المتصدع، والبروسيلا إلى جانب فيروسات هانتا والسالمونيلا والإشريكية القولونية. هذه الأمراض تختلف في ناقلاتها ومستودعاتها وأشكال الانتقال إلى الإنسان.
في المنطقة العربية تبرز خصوصيات مرتبطة بتربية الإبل والماشية والظروف البيئية والمناخية، ما يجعل بعض الأمراض أكثر حضورًا، مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والبروسيلا وحمى القرم-الكونغو. بالإضافة إلى ذلك أدت النزاعات وحدوث أزمات إنسانية إلى تراجع خدمات المكافحة والترصد، مما ساهم في تفشي أمراض ناقلة للحشرات في بعض البلدان.
دور مفهوم الصحة الواحدة في الوقاية والاستجابة
يعتمد مفهوم الصحة الواحدة على تعاون الأطباء البشريين والبيطريين وخبراء البيئة لوضع منظومة متكاملة للوقاية والكشف المبكر. كما يؤكد خبراء أن دمج بيانات الصحة الحيوانية والبيئية مع بيانات الصحة البشرية يحسّن قدرة الأنظمة على اكتشاف حالات مبكرة ومنع تفشيها.
الاستثمار في برامج تطعيم الحيوانات، ومراقبة الأسواق والمواشي، وتحسين أنظمة الصرف الصحي والحد من الاحتكاك مع الحياة البرية كلها إجراءات فعالة. بالإضافة إلى ذلك تشكل شبكات الترصد الوبائي المبكر صمام أمان يمنع تحول حالات معزولة إلى أوبئة إقليمية أو جائحة عالمية.
مقاومة المضادات الحيوية وخطر وباء مستقبلي
تشكل مقاومة المضادات الحيوية تهديدًا إضافيًا مرتبطًا بالأمراض الحيوانية المنشأ. بحسب مؤسسات صحية دولية، جزء كبير من استخدام المضادات يتم في تربية الحيوانات والزراعة، ما يسرّع ظهور سلالات بكتيرية مقاومة يمكن أن تنتقل إلى الإنسان.
من ناحية أخرى فإن السيناريو الأخطر وفق خبراء مثل الدكتور عبد الله سامي لا يقتصر على ظهور فيروس جديد، بل على اجتماع ثلاثة عناصر: مرض تنفسي شديد العدوى ينتقل بسهولة بين البشر، تصاعد مقاومة المضادات الحيوية، وضعف أنظمة الترصد في مناطق الاحتكاك بين الإنسان والحياة البرية أو في مناطق النزوح. لذلك يبقى تقليل استخدام المضادات بصورة غير مسئولة وتعزيز مراقبة الاستخدام البيطري من الأولويات.
إجراءات عملية وماذا ينتظر العالم؟
تعتمد الاستجابة الفعالة على خطوات عملية: تعزيز برامج التطعيم الحيواني والبشري للفئات المعرضة، تحسين قدرات المختبرات، إقامة منظومات إبلاغ مشتركة بين القطاعات، وحماية سلاسل الإمداد الغذائي. علاوة على ذلك، يجب دعم البحوث الوبائية والجينية لتسريع تطوير لقاحات وعلاجات عند ظهور تهديد جديد.
في الوقت نفسه، تشكل مراقبة تغير المناخ وإدارة استخدام الأراضي وسياسات تربية الحيوانات المستدامة عناصر وقائية مهمة. إذ أن الجمع بين هذه الإجراءات ومعايير الصحة الواحدة يعزز من قدرة الدول على منع وقوع الأزمات الصحية أو التخفيف من آثارها بسرعة أكبر.
خاتمة وتوصيات للرصد المقبل
تبقى الأمراض الحيوانية المنشأ خطرًا ذا أبعاد متعددة يتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا متواصلاً. بعد تجربة كوفيد-١٩ هناك أدوات أفضل لتطوير اللقاحات وتبادل البيانات، لكن اليقظة والجاهزية والالتزام بسياسات الصحة الواحدة والحدّ من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية هي السبيل لتقليل خطر الجائحة القادمة.
ينبغي مراقبة مؤشرات الترصد الوبائي والتغيرات في سلوك النواقل ومعدلات مقاومة المضادات الحيوية خلال العامين المقبلين، إذ ستكون هذه المؤشرات المبكرة حاسمة لتحديد مدى احتمال اندلاع موجة تفشٍ جديدة أو احتواءها سريعًا.












