اخبار الاقتصاد

وقف مدفوعات الأسرى يثير الغضب ضد السلطة الفلسطينية

دأبت السلطة الفلسطينية على مدى سنوات على تقديم الدعم المالي لأسر الفلسطينيين المتضررين من الصراع مع إسرائيل، سواءً كانوا قتلى أو جرحى أو أسرى. هذه الإعانات، التي كانت تعتبر جزءًا من “العقد الاجتماعي” الفلسطيني، تهدف إلى الاعتراف بمعاناتهم وتأكيد التزام السلطة بنضالهم. لكن مع تزايد الضغوط الدولية، وخاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت السلطة الفلسطينية في إعادة النظر في هذا النظام، مما أثار جدلاً واسعاً واحتجاجات في الأراضي الفلسطينية. محور هذا الجدل يتمحور حول إيقاف مدفوعات الأسرى في فلسطين، وهي سياسة تهدف إلى استعادة الثقة الدولية وتجاوز العقوبات المالية، لكنها في المقابل تثير مخاوف إنسانية وسياسية عميقة.

خلفية مدفوعات الأسرى وأسباب التغيير

لطالما شكلت مسألة الأسرى الفلسطينيين جزءاً مركزياً من الهوية الوطنية الفلسطينية. وكانت السلطة الفلسطينية تقدم إعانات شهرية لأسرهم، بغض النظر عن طبيعة الجريمة التي ارتكبها الأسير، وذلك كنوع من التكافل الاجتماعي والتقدير للتضحيات. هذه المدفوعات كانت تُنظر إليها على أنها دعم “لشعب تحت الاحتلال” من قبل الفلسطينيين، بينما رأت فيها إسرائيل حافزاً للإرهاب، خاصة وأن قيمة الإعانة قد ترتفع مع طول مدة السجن أو جسامة الجريمة.

مع تزايد الانتقادات الدولية، وخاصة بعد اتفاقيات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وافقت السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات في هذا النظام. كانت إسرائيل قد حجبت بالفعل جزءاً كبيراً من عائدات الضرائب الفلسطينية بذريعة هذه المدفوعات، مما فاقم الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة. في فبراير الماضي، أعلنت السلطة عن نيتها إنهاء البرنامج، لكن التطبيق الفعلي بدأ قبل شهرين فقط.

التأثير المباشر على الأسر الفلسطينية

قرار إيقاف المدفوعات ألقى بظلاله الثقيلة على حياة العديد من الأسر الفلسطينية، التي كانت تعتمد على هذه الإعانات لتغطية احتياجاتها الأساسية. ياسمين أبو لطيفة، أرملة شابة، هي إحدى الضحايا. فقدت الدخل الشهري البالغ 2000 شيكل (حوالي 625 دولارًا أمريكيًا) في نوفمبر الماضي، مما جعلها غير قادرة على دفع الإيجار أو توفير الطعام لعائلتها. تعيش الآن مع أهل زوجها في مخيم قلنديا للاجئين، وهي تعبر عن إحباطها وغضبها من هذا القرار.

الكثير من الأسر الأخرى تواجه ظروفًا مماثلة، حيث فقدت مصدر دخلها الوحيد. هذا الأمر أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية وزيادة الغضب والإحباط تجاه السلطة الفلسطينية، التي يتهمها البعض بتفضيل مطالب إسرائيل على رفاهية شعبها.

وجهة نظر إسرائيل والضغوط الدولية

تعتبر إسرائيل هذه المدفوعات بمثابة “مكافأة للإرهاب” وتدفع إلى استمرار العنف. وتشدد باستمرار على أن هذه السياسة تشجع على ارتكاب جرائم ضد مواطنيها. وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت الإعانات بأنها “سياسة دفع مقابل القتل” وأكدت أنها تغذي الإرهاب.

لم يكن الضغط الإسرائيلي وحده عاملاً مؤثراً. فقد مارست الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضغوطًا كبيرة على السلطة الفلسطينية لوقف هذه المدفوعات، كشرط لاستئناف المساعدات المالية وتقديم الدعم السياسي.

خطة ترامب ودورها في التغيير

كان إيقاف مدفوعات الأسرى جزءاً أساسياً من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام، المعروفة باسم “صفقة القرن”. تضمنت الخطة شروطاً قاسية على الفلسطينيين، بما في ذلك التنازل عن حقوقهم في القدس واللاجئين، وقيام إسرائيل بالسيطرة على معظم الأراضي الفلسطينية. وتعتبر السلطة الفلسطينية هذه الخطة مجحفة وغير قابلة للتطبيق.

نظام الرعاية الاجتماعية الجديد والانتقادات

بدلاً من مدفوعات الأسرى، تعتزم السلطة الفلسطينية تطبيق نظام جديد للرعاية الاجتماعية، يركز على تقديم المساعدة للأسر المحتاجة بغض النظر عن وضع أفرادها. يتطلب هذا النظام ملء استمارات مفصلة عن الدخل والممتلكات، وسيتم تحديد المستفيدين بناءً على معايير الحاجة المالية.

لكن هذا النظام الجديد لم يسلم من الانتقادات. يتهم الكثير من الفلسطينيين السلطة بالخضوع للضغوط الإسرائيلية والدولية، والتخلي عن التزاماتها تجاه أسر الأسرى والشهداء. ويعبرون عن قلقهم من أن هذا النظام قد لا يوفر لهم نفس المستوى من الدعم الذي كانوا يحصلون عليه في السابق.

أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الفلسطينيين يعارضون هذا التغيير، ويعتبرونه جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بشرعية السلطة الفلسطينية. ويخشى البعض من أن هذا القرار قد يؤدي إلى تفاقم الغضب والإحباط في المجتمع الفلسطيني، وزيادة احتمالية اندلاع المزيد من الاحتجاجات.

مستقبل المدفوعات والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية

إيقاف مدفوعات الأسرى يمثل نقطة تحول في العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وبين الفلسطينيين والمجتمع الدولي. وبينما تهدف السلطة الفلسطينية إلى استعادة الثقة الدولية وتجاوز الأزمة المالية، فإنها تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على الدعم الشعبي وتهدئة الغضب والإحباط في المجتمع الفلسطيني.

يبقى من غير الواضح ما إذا كان هذا التغيير سيؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة. فإسرائيل ما زالت تصر على شروطها القاسية، والضغوط الدولية لا تزال قائمة. والأهم من ذلك، أن مسألة الأسرى الفلسطينيين تظل قضية حساسة ومحورية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

هل سيؤدي هذا التغيير إلى تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين؟ وهل سينعكس إيجاباً على مسار عملية السلام؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات في ظل استمرار التحديات والتعقيدات التي تواجه القضية الفلسطينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى