ستاندرد تشارترد: العجز المالي أداة لتحفيز التحول الاقتصادي في السعودية

شهدت المملكة العربية السعودية مؤخرًا عجزًا ماليًا، إلا أن العديد من المؤسسات المالية ترى أن هذا العجز لا يمثل تهديدًا للاقتصاد السعودي، بل هو جزء من عملية تحول اقتصادي أوسع وأكثر طموحًا. في هذا السياق، أكد بنك ستاندرد تشارترد أن **الاقتصاد السعودي** يمتلك قوة دافعة تُمكّنه من تجاوز هذه المرحلة بنجاح، وتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة. التقرير الأخير للبنك، “التوجهات العالمية 2026”، يتناول بالتفصيل هذه الديناميكيات ويقدم نظرة متفائلة على مستقبل الاقتصاد السعودي.
العجز المالي كمحفز للتحول الهيكلي في الاقتصاد السعودي
يرى ستاندرد تشارترد أن العجز المالي الأخير ليس علامة ضعف، بل هو نتيجة مباشرة لزيادة الإنفاق الحكومي الاستراتيجي الذي يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وتعتبر هذه الزيادة في الإنفاق ضرورية لتمويل المشاريع الكبرى والبنية التحتية التي تدعم النمو الاقتصادي طويل الأجل.
من خلال **تنويع مصادر التمويل**، تسعى المملكة إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة، قادراً على مواجهة التحديات المستقبلية. ويشمل ذلك جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر، وتشجيع مشاركة المستثمرين الأجانب في أسواق الدين المحلية، مما يساهم في توسيع قاعدة التمويل وتقليل المخاطر.
عودة قطاع النفط ونمو القطاع غير النفطي
يشير تقرير ستاندرد تشارترد إلى أن التعافي في قطاع النفط يلعب دورًا حاسمًا في دعم **النمو الاقتصادي في السعودية**. فبعد فترة من التخفيضات الإنتاجية التي فرضها تحالف “أوبك+”، عاد القطاع إلى مسار النمو، مما ساهم في تحسين الإيرادات الحكومية.
الاستثمار والاستهلاك كمحركات للنمو
إلى جانب ذلك، يواصل القطاع غير النفطي نموه بوتيرة ثابتة تصل إلى 4.5%، مدفوعاً بشكل رئيسي بالاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة الإنفاق الاستهلاكي. هذا النمو المتوازن يعكس التزام المملكة بتنويع اقتصادها وتقليل اعتماده على قطاع النفط التقليدي. كما أن هذه المؤشرات تبين أن **الاستثمار الأجنبي المباشر** يلعب دوراً متزايد الأهمية في دعم التنمية المستدامة.
الدين العام: ضمن الحدود الآمنة
تتوقع ستاندرد تشارترد ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة لتصل إلى حوالي 36% بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بـ26% في نهاية عام 2024. ومع ذلك، يؤكد البنك أن هذه المستويات لا تزال ضمن الإطار الذي حددته الحكومة، والذي يعتبر 40% حدًا أقصى للديون.
تعتبر الرياض أن الاقتراض لتمويل الإنفاق الحكومي يمثل خيارًا أكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنة بتقليص الاستثمارات الضرورية. وقد أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، في تصريحات سابقة، أن العائد على الإنفاق الحكومي خلال السنوات القادمة سيكون أعلى من تكلفة الدين نفسه، مما يبرر هذا النهج في إدارة الموارد المالية.
خطط الاقتراض والتوسع في أسواق الدين العالمية
تخطط المملكة العربية السعودية للاقتراض بحوالي 217 مليار ريال خلال العام المالي 2026. يهدف هذا الاقتراض إلى تغطية العجز المتوقع في الميزانية، والذي يقدر بحوالي 165 مليار ريال، بالإضافة إلى سداد مستحقات أصل الديون القائمة البالغة 52 مليار ريال. هذه الخطوة تعكس التزام المملكة بسداد التزاماتها المالية في الوقت المحدد.
وفي إطار جهودها لتنويع مصادر التمويل، بدأت السعودية في عام 2026 في طرح أولى سنداتها الدولية المقومة بالدولار. هذا الإصدار، الذي جمع حوالي 11.5 مليار دولار، يعكس الثقة المتزايدة في الاقتصاد السعودي، واستعداده للانفتاح على الأسواق المالية العالمية. كما أنه يؤكد قدرة المملكة على استخدام أدوات الدين كجزء من استراتيجية تمويلية شاملة لدعم برامج التحول الاقتصادي. ويدعم هذا التوجه بقوة **أسواق المال السعودية**.
الخلاصة: آفاق واعدة للاقتصاد السعودي
يُظهر تقرير ستاندرد تشارترد نظرة إيجابية حول مستقبل **الاقتصاد السعودي**، مع التأكيد على أن العجز المالي الأخير ليس عائقًا، بل هو حافز لإجراء إصلاحات هيكلية وتنويع مصادر الدخل. من خلال الاستمرار في الاستثمار في القطاعات غير النفطية، وجذب الاستثمار الأجنبي، وإدارة الدين العام بحكمة، فإن المملكة تسير على الطريق الصحيح لتحقيق أهداف رؤية 2030 وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة. ندعو القراء إلى متابعة التطورات الاقتصادية في السعودية، واستكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة، والتفاعل مع التحليلات والتقارير الصادرة عن المؤسسات المالية الرائدة.










