أسعار الذهب تتراجع وسط ترقب بيانات أميركية قد تعيد رسم مسار الفائدة
شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً في مستهل أول أسبوع من عام 2026، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور بيانات اقتصادية أميركية محورية قد تحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، وتؤثر مباشرة في سعر أونصة الذهب بالدولار. هذا التراجع يأتي بعد موجة صعود قوية دفعت المعدن النفيس إلى مستويات تاريخية، ما جعل الأسواق في حالة ترقب وحذر معاً، خاصة في ظل مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية.
الذهب بين مكاسب قوية وتصحيح مؤقت
تداول الذهب قرب مستوى 4455 دولاراً للأونصة بعد أن سجل ارتفاعاً تجاوز 4% خلال ثلاث جلسات متتالية، قبل أن يتراجع مع بداية الأسبوع. هذا السلوك السعري يعكس حالة شد وجذب بين قوى داعمة للمعدن النفيس وأخرى تضغط عليه مؤقتاً. فمن جهة، لا تزال التوترات الجيوسياسية العالمية قائمة، بدءاً من تصريحات سياسية حادة حول الطاقة والسيطرة على الموارد، وصولاً إلى قيود تجارية جديدة بين قوى اقتصادية كبرى. ومن جهة أخرى، يفضل المتعاملون حالياً انتظار إشارات أوضح من الاقتصاد الأميركي قبل بناء مراكز جديدة.
ترقب البيانات الأميركية يطغى على الجغرافيا السياسية
رغم أن المشهد الجيوسياسي يبدو هشاً، فإن تركيز الأسواق انصبّ بشكل واضح على جدول مزدحم من البيانات الاقتصادية الأميركية. تقرير الوظائف لشهر ديسمبر، ومؤشرات نشاط التصنيع والخدمات، باتت محط أنظار المستثمرين لأنها تحمل دلالات مباشرة على توجهات الاحتياطي الفيدرالي.
ضعف بعض البيانات الصناعية الأخيرة عزز الآمال بأن البنك المركزي الأميركي قد يضطر إلى خفض أسعار الفائدة مجدداً خلال الفترة المقبلة. هذا السيناريو عادة ما يكون إيجابياً للذهب، كونه أصلاً لا يدرّ عائداً، ويستفيد من انخفاض تكلفة الفرصة البديلة عند تراجع الفائدة.
تصريحات الفيدرالي تعيد إشعال التوقعات
زاد من زخم هذه التوقعات ما صرّح به ستيفن ميران، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، حين أشار إلى أن السياسة النقدية الحالية لا تزال تقيد الاقتصاد، وأن خفض أسعار الفائدة بأكثر من نقطة مئوية واحدة في 2026 قد يكون ضرورياً. مثل هذه التصريحات تعزز الرهان طويل الأجل على الذهب، حتى لو شهد المعدن تصحيحات قصيرة الأجل.
يُذكر أن ثلاث عمليات خفض متتالية للفائدة خلال العام الماضي لعبت دوراً محورياً في دعم المعادن النفيسة، ودفعها إلى تسجيل مستويات قياسية.
عام استثنائي للذهب والفضة
عام 2025 كان تاريخياً للذهب، إذ سجل أفضل أداء سنوي له منذ أواخر السبعينيات. هذا الصعود لم يكن مدفوعاً بالمضاربات فقط، بل ارتكز على عوامل أساسية، أبرزها:
- مشتريات قوية من البنوك المركزية حول العالم
- تدفقات كبيرة إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب
- تراجع الثقة في بعض الأصول التقليدية
الفضة بدورها خطفت الأضواء، بعدما قفزت بنحو 150% خلال العام الماضي، مستفيدة من نقص المعروض وارتفاع الطلب الاستثماري، لا سيما من المستثمرين الأفراد في الصين.
المعادن الأخرى تحت الضغط
في جلسة التراجع الأخيرة، لم يقتصر الهبوط على الذهب فقط، بل شمل معظم المعادن الثمينة. فقد انخفضت الفضة بنحو 2.4%، رغم بقائها مرتفعة منذ بداية العام، بينما تكبد البلاتين والبلاديوم خسائر أكبر. هذا الأداء الجماعي يعكس موجة جني أرباح وتعديل مراكز، أكثر منه تحولاً جذرياً في الاتجاه طويل الأجل.
مخاوف إعادة موازنة المؤشرات
على المدى القريب، تبرز مخاوف إضافية قد تضغط على الأسعار، تتعلق بإعادة موازنة مؤشرات السلع العالمية. هذه العملية قد تجبر الصناديق الخاملة التي تتبع المؤشرات على بيع جزء من عقود المعادن النفيسة لإعادة ضبط الأوزان.
قدّرت مؤسسات مالية كبرى أن هذه العملية قد تؤدي إلى تدفقات خارجة بمليارات الدولارات من عقود الذهب والفضة الآجلة، وهو ما يفسر جانباً من الضغوط الحالية على الأسعار، حتى في ظل بيئة كلية داعمة نسبياً.
الدولار عنصر موازن
استقرار مؤشر الدولار الأميركي خلال الجلسات الأخيرة لعب دوراً موازناً في حركة الذهب. فعادة ما يتحرك المعدن النفيس عكس اتجاه العملة الأميركية. ومع بقاء الدولار مستقراً مؤقتاً، تراجعت بعض الزخم الصعودي للذهب، بانتظار محفز جديد.
ما الذي ينتظره المستثمرون؟
في المرحلة المقبلة، سيركز المستثمرون على مجموعة من العوامل الحاسمة:
- قوة أو ضعف بيانات سوق العمل الأميركية
- نبرة الاحتياطي الفيدرالي تجاه التضخم والنمو
- تطورات المشهد الجيوسياسي وتأثيره على شهية المخاطرة
- تدفقات الصناديق الاستثمارية وإعادة موازنة المؤشرات
أي مفاجأة في هذه العوامل قد تعيد توجيه الأسعار بسرعة، سواء نحو استئناف الصعود أو تعميق التصحيح.
في النهاية
التراجع الحالي في أسعار الذهب لا يعني بالضرورة نهاية المسار الصعودي الذي شهده المعدن خلال الفترة الماضية، بل يبدو أقرب إلى استراحة مؤقتة في رحلة اتسمت بزخم غير مسبوق. فبين ترقب بيانات أميركية مفصلية، وتصريحات داعمة من الفيدرالي، ومخاطر فنية قصيرة الأجل، يظل الذهب في قلب معادلة الاستثمار العالمية، محافظاً على دوره كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، حتى وإن تقلبت أسعاره على المدى القصير.











