محاكمة الأخ الأكبر في سينما يوسف شاهين

في ذاكرتي كان هو الناجح المحبوب، وأنا النحيف المنغلق. كنت أشعر بالذنب وبأنني الذي كان يجب أن يموت وليس هو، وهذا “عقدني جداً”، وظلت هذه العقدة تطاردني كثيراً، بل كانت من أشد العقد التي أثرت بي. هذه الكلمات التي قالها يوسف شاهين عن أخيه الأكبر ألفريد، كما وردت في جريدة الكويتية، تفتح نافذة على أحد أهم العناصر التي شكلت رؤيته الفنية، والتي تجلت بوضوح في أفلامه. هذه العقدة، كما يظهر في فيلم “إسكندرية ليه”، أول أجزاء سيرته الذاتية، ليست مجرد ذكرى شخصية، بل هي مفتاح لفهم الكثير من جوانب سينما هذا المخرج العظيم.
عقدة الأخ الأكبر في سينما يوسف شاهين
في مشهد مؤثر من فيلم “إسكندرية ليه”، ينهار يحيى شكري مراد على المسرح بعد فشل حفلته، وتنقله ذكرياته إلى واقعة وفاة أخيه الأكبر. تتصاعد الأحداث الدرامية عندما تتهمه جدته بأنه هو من أشعل النار في تمثال المسيح، وتتوالى ردود الأفعال التي تعكس شعوره بالذنب. هذا المشهد يكشف عن تركيبة درامية أساسية في سينما شاهين، وهي تركيبة عائلية بامتياز، تتمحور حول عقدة الأخ الأكبر. لم يغادر شاهين بيت العائلة في أفلامه تقريباً، بل كانت الأسرة دائماً في قلب صراعاته الدرامية.
من “بابا أمين” إلى “الاختيار”: تطور العقدة
منذ باكورة أعماله، فيلم “بابا أمين” عام 1950، استكشف شاهين ديناميكيات العلاقات الأسرية المعقدة. في فيلم “ابن النيل” (1951)، أول مشاركة له في مهرجان كان، تظهر العلاقة المتوترة بين حِميدة وأخيه الأكبر إبراهيم. يمثل إبراهيم هنا نموذجاً للكمال والرزانة، بينما يمثل حِميدة التمرد والرغبة في الانفلات. هذا التمرد يتجلى في هروبه من القرية ومحاولته تحقيق أحلامه بعيداً عن قيود العائلة. بعد ثماني سنوات، قدم شاهين عشرة أفلام متنوعة، بين الكوميديا الغنائية والميلودراما الاجتماعية، لكنه ظل يعود إلى موضوع الأسرة والصراع الأخوي. فيلم “حب إلى الأبد” (1959) يمثل نقطة تحول، حيث يقدم شاهين محاكمة للأخ الأكبر، من خلال شخصية المحامي محمود الذي يمثل السلطة والنفاق، بينما يمثل أخوه أشرف التمرد والبحث عن الحقيقة.
“فجر يوم جديد” و”الأرض”: العقدة تتصاعد
في فيلم “فجر يوم جديد” (1965)، تبرز شخصية حسين، الأخ الأكبر الذي يمثل صوت الضمير والوعي الاجتماعي. بينما تعيش نايلة صراعاً داخلياً، يقدم حسين لها الدعم والتوجيه، محاولاً إخراجها من عالم البرجوازية الفاسد. مع فيلم “الأرض” (1969)، تصل عقدة الأخ الأكبر إلى ذروتها، حيث يصور شاهين العلاقة بين الأخوين محمد أفندي ودياب، اللذين يمثلان طبقتين اجتماعيتين مختلفتين. في مرحلة السبعينيات، أصبحت هذه العقدة أكثر صراحة ووضوحاً، خاصة في فيلم “الاختيار” (1971)، الذي يدور حول صراع بين أخوين توأمين، محمود وسيد، يمثلان وجهين مختلفين لنفس الشخصية. هنا، تتجلى العقدة في شكل مأساة عائلية تنتهي بالموت والجنون.
“عودة الابن الضال” و”إسكندرية ليه”: الذروة والاعتراف
في فيلم “عودة الابن الضال” (1976)، يواصل شاهين استكشاف هذه العقدة، من خلال شخصية طلبة، الأخ الأكبر الذي يمثل السلطة والطمع. يصور الفيلم صراعاً بين الأخوين علي وطلبة، والذي ينتهي بمأساة عائلية. أما في فيلم “إسكندرية ليه”، فيعود شاهين إلى ذكرياته الشخصية، ويكشف عن شعوره بالذنب تجاه أخيه الأكبر ألفريد. هذا الفيلم يمثل اعترافاً صريحاً بـعقدة الأخ الأكبر، وتأثيرها العميق على حياته وفنه. يوسف شاهين لم يكتفِ باستعراض هذه العقدة، بل قام بتحليلها وتفكيكها، وكشف عن أبعادها النفسية والاجتماعية.
أهمية عقدة الأخ الأكبر في فهم سينما شاهين
عقدة الأخ الأكبر ليست مجرد تفصيلة درامية في أفلام يوسف شاهين، بل هي عنصر أساسي في رؤيته الفنية. من خلال هذه العقدة، استكشف شاهين موضوعات مثل السلطة، والذنب، والتمرد، والهوية. كما استخدمها للتعبير عن رؤيته النقدية للمجتمع المصري، وصراعاته الداخلية. إن فهم هذه العقدة يساعدنا على فهم أعمق لأفلام شاهين، وتقدير عبقريته الفنية. على الرغم من مرور أكثر من ستين عاماً على بدء مسيرته السينمائية، لا يزال يوسف شاهين (1926-2008) أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما العربية، وذلك بفضل أفلامه الـ 44 التي تميزت بالجرأة والابتكار والعمق الإنساني.
اقرأ أيضاً:
مئوية يوسف شاهين.. الحياة في 10 أفلام
شهادات عن يوسف شاهين في مئويته: أيقونة السينما المصرية التي لن تتكرر












