“جرس إنذار: الحفرة”.. استعادة نصف موفقة للنجاح

بعد عامين من عرض فيلم “جرس إنذار” على منصة نتفليكس، يعود صناع الفيلم (ستوديوهات Ideation) بجزء ثانٍ يحمل عنوان “جرس إنذار: الحفرة”، بدأ بثه منذ أيام على المنصة نفسها. الفيلم الجديد يقدم فريق كتابة وإخراج جديدين، وقصة تجمع من الفيلم الأول بعض شخصياته، مع شخصيات جديدة، وحكاية، أو بالأحرى كارثة أخرى! هذا الجزء الثاني من جرس الإنذار يثير اهتمامًا كبيرًا بعد النجاح الكبير الذي حققه الفيلم الأول.
نجاح فيلم “جرس إنذار” الأول وأسباب الإنتاج الثاني
كان الفيلم الأول، الذي كتبه وأخرجه خالد فهد، قد حقق مشاهدات غير مسبوقة بالنسبة لفيلم عربي على نتفليكس، ما دفع المنصة والشركة المنتجة إلى إنتاج فيلمين آخرين عن نفس الفكرة. هذه الفكرة تتمحور حول المخاطر التي يمكن أن تهدد الحياة في مدرسة بنات ثانوية، سواء بسبب العنف الداخلي بين البنات وبعضهن البعض، أو بسبب عدم القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية غير المتوقعة التي يمكن أن تحدث في أي لحظة. الفيلم الأول وضع معيارًا جديدًا للأفلام العربية على المنصات الرقمية، مما جعل إنتاج جزء ثانٍ أمرًا حتميًا.
أسرار نجاح “جرس إنذار”: فهم عمق المراهقة
من السهل فهم أسباب نجاح الفيلم الأول، فالعمل يتناول حياة بنات في عمر المراهقة، تلك الفترة الصعبة التي تمر بها معظم البيوت. كما أنه يعرض بانوراما مصغرة لأنواع مختلفة من الشخصيات، بخلفياتها الاجتماعية وتعقيداتها النفسية المختلفة، والديناميكيات التي تتحكم في العلاقات فيما بين هذه الشخصيات، والتي تؤدي إلى صداقات حميمة حيناً، وعداءات عنيفة أحياناً. الفيلم لم يركز فقط على الأحداث الدرامية، بل تعمق في فهم عالم المراهقة وتحدياته.
الفيلم كان يعرض أيضاً النظام الداخلي في المدرسة، ومن يديرونه، بعضهم عن حكمة ووعي، وبعضهم بتعسف وقسوة، مع لمحات عن الخلفية الأكبر للنظام الخارجي العام، خاصة وأن الأحداث كانت تدور في 2013، حين كانت الأوضاع أصعب كثيراً بالنسبة للفتيات ومدارسهن.
“جرس إنذار: الحفرة” – استمرار القصة وتجديد الفريق
في الفيلم الجديد يحل فريق جديد في الكتابة والإخراج: السيناريو لمريم الهاجري وهيفاء السيد، والإخراج لعبد الله بامجبور، كما يحل عدد جديد من الشخصيات والممثلات (والممثلين) بجانب بعض الشخصيات القديمة. لا يختلف الفيلم الجديد كثيراً عن سابقه في مضمونه وقالبه الفني: العلاقات والمشاحنات والمشاعر متشابهة، وبدلاً من النار يحل الماء كمصدر للكارثة، حيث يتسبب حفر عمال البناء في أرض مجاورة للمدرسة في حدوث انهيار أرضي، يبتلع ثلاثاً من الفتيات كن يتشاجرن فيما بينهن في زاوية مهجورة، ويختفين عن الأنظار!
تقوية التشويق والتحديات في الجزء الجديد من فيلم جرس الإنذار
يسعى صناع “جرس إنذار: الحفرة” إلى تقوية فيلمهم، وجعله مختلفاً عن الفيلم الأول من خلال عنصرين: الأول هو دفع العلاقات والمشاحنات اللفظية إلى الحافة، بطريقة مفتعلة وزائدة عن الحد أحياناً، والثاني استخدام قالب وتقنيات التشويق خاصة في طريقة التمثيل واستخدام المونتاج والموسيقى. ومع ذلك، يبدو أن هناك شيئاً ما لا يعمل كما ينبغي في الفيلم الجديد، ربما بسبب ظهور الصنعة ويد الصانع في عدد من المشاهد.
وكما نعلم، الفن مثل الحيل السحرية، إذا رأيت يد الساحر تفسد الخدعة، يتبين ذلك حين تفتقد أفعال وردود أفعال الشخصيات إلى ما يكفي من المنطق والدوافع، أو حين يتعامل منفذ السيناريو (المخرج وفريقه) مع النص المكتوب ببعض المبالغة في استخدام اللغة السينمائية.
الارتباط بين الفيلمين والشخصيات المستمرة
قصة الفيلم، كما أشرت، هي امتداد، أو خط متشعب، من قصة الفيلم الأول، وهو اختيار يحتم على صناع الفيلم أن يكون له ما يبرره في أحداث ودراما الفيلم الثاني، ولكن الواقع أنه باستثناء قليل من الجمل الحوارية التي تشير لأحداث الفيلم الأول، ليس هناك ارتباط درامي أو عضوي بين الفيلمين سوى أنهما يتبعان القالب نفسه ويتناولان حدثاً متشابهاً.
من طالبات الفيلم السابق يتبقى ثلاث: مشاعل (موضي عبد الله) منى (أسيل موريا) وهبة (وفاء الوافي)، اللواتي ربطن بينهم صداقة متينة في الفيلم الأول. ومن الكبار مرزوقة (عائشة الرفاعي)، أم الطالبة مشاعل، والتي كانت عاملة بسيطة في المدرسة لكنها تركتها وتتحول إلى خاطبة (في الفيلم الجديد). كذلك بقيت المعلمة سهام (أضوى الفهد) ومساعدتها وداد (دارين البايض)، وسهام، كما نعلم، كانت سبب الحريق في الفيلم الأول، بسبب بقايا سيجارة ألقت بها.
الشخصيات الجديدة ودورها في الصراع
أما الشخصيات الجديدة فبعض الطالبات على رأسهن ماريا (أسيل سراج) الفتاة الجميلة التي تبدو عليها البراءة، ولكنها معقدة نفسيا ومتنمرة، خاصة تجاه مشاعل (بسبب لونها وفقرها)، وماريا من أسرة ثرية، لكن والديها مهووسين بالماديات: أمها (رزان طارق) لا تقل تكبراً وتنمراً عن ابنتها، وتتشاحن مع مرزوقة مثلما تتشاحن ابنتها مع مشاعل! أما الأب (خالد يسلم) فمهندس مشغول بعمله، يتبين أنه المسئول عن أعمال الحفر التي تتم بجوار المدرسة.
تلعب ماريا دور المحرك الأساسي للصراع هنا، بعدما تسببت في تخريب العلاقة بين الصديقات الثلاث، من خلال تقريبها لهبة وإبعادها عن صديقتيها، ثم تسببت بمشاجراتها المتواصلة مع مشاعل في سقوطهن (هي ومشاعل وهبة) في الحفرة.
نظرة نقدية على التنفيذ والإخراج في “جرس الإنذار: الحفرة”
هناك إشارات ذكية إلى تأثير الطبقية والعنصرية على علاقات الطالبات والأمهات، ولكن يشدد عليها بطريقة ثقيلة وزائدة أحياناً، مثل إهانات والدة ماريا المستمرة لمرزوقة، حتى في ذروة اختفاء ابنتيهما، واكتشاف خطر الموت الذي يتهددهما. وفي مقابل الاهتمام الزائد بمشاحنات والدة ماريا ومرزوقة، لا وجود مماثل لردود فعل والدة الزميلة الثالثة هبة، التي تعاني بالفعل من اضطراب نفسي سابق نتيجة الصدمة السابقة، وكان يمكن استغلاله درامياً بشكلٍ أكبر.. سواء في ربط أحداث الفيلمين أو لزيادة جرعة الخطر داخل الحفرة التي تسقط فيها الفتيات.
رغم التوتر الذي يخلقه الاسلوب السينمائي، ويدفع المشاهد إلى المتابعة المشوقة في البداية، إلا أن الايقاع يخفت بعد ذلك، حيث تهيمن الحوارات وتتوقف الأحداث، خاصة مع قلة عدد الشخصيات والخطوط الدرامية. وكان الأفضل نقل المهم من الحوارات إلى النصف الأول، مع رفع وتيرة الأحداث ودرجة التشويق تدريجياً، لتصل ذروتها في الربع الأخير.
يشير العمل من بعيد إلى دور “العالم الخارجي” فيما يحدث داخل المدرسة، وهو أمر كان أكثر وضوحاً في الفيلم الأول. وكان يمكن تطويره هنا للحديث عن : أساليب التربية، البيروقراطية، والجشع الاقتصادي والإهمال الأمني، وكان من شأن ذلك تعميق الدراما أكثر.
على أي حال، يواصل الفيلم الجديد دق جرس الإنذار لينبه الأهالي والمسئولين إلى خطورة سن المراهقة وصعوبة الحياة داخل المدارس الثانوية (التي كانت محور الكثير من الأعمال السينمائية والدرامية في السنوات الماضية)، وأهمية التربية القائمة على تعزيز الاحترام والتعايش وتوفير مساحة أكبر من الحرية.












