“الهوية البصرية”.. هدف جديد تسعى إسرائيل إلى تغييره في الضفة الغربية

تنتشر الأعلام الإسرائيلية ونجمة داود السداسية بشكل متزايد في الضفة الغربية، مشهدًا يعكس محاولة إسرائيلية ممنهجة لتغيير الهوية البصرية للمنطقة. هذا التغيير، الذي تفاقم منذ بدء الحرب على قطاع غزة، يترافق مع تهجير قسري لسكان المناطق الريفية واستبدالهم بمستوطنين، مما يثير مخاوف عميقة بشأن مستقبل الأرض الفلسطينية. يهدف هذا التحول إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ليس فقط من خلال التواجد العسكري، بل أيضًا من خلال تغيير المشهد المرئي والثقافي.
تغيير الهوية البصرية: الأعلام والاستيطان
لم يعد الأمر مجرد وجود المستوطنات، بل امتد ليشمل زرع الرموز الإسرائيلية في كل مكان: على جوانب الطرق، وعلى التلال، وفي الأماكن الأثرية، وحتى بالقرب من مصادر المياه. هذا الانتشار المتعمد للأعلام ونجمة داود السداسية يمثل محاولة لتأكيد “السيادة” الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية للمنطقة. بالتوازي مع ذلك، تشهد المناطق الريفية، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، عملية تهجير واسعة النطاق، حيث يتم استبدال السكان الفلسطينيين بتجمعات استيطانية جديدة.
التهجير القسري وتشكيل تجمعات استيطانية
لا تخفي إسرائيل سعيها لضم هذه المناطق الريفية، وتسعى إلى تحويلها إلى تجمعات استيطانية مشابهة لتلك الموجودة بالفعل، أو إلى ما يسمى بـ “تجمعات رعوية يهودية”. هذه العملية ليست عشوائية، بل تتم بتخطيط مسبق ودعم من جمعيات استيطانية تمتلك مقومات مادية كبيرة، وتستخدم مجموعات مسلحة تطلق على نفسها أسماء مختلفة مثل “فتية التلال” و”طلائع الصهيونية الدينية”.
شهادات من الميدان: واقع الحياة اليومية
نضال فقهاء، من سكان قرية كردلا في الأغوار، يصف التغيير الذي طرأ على المشهد خلال الأشهر الأخيرة. “كنت أتنقل بين كردلا ورام الله في أجواء من الطمأنينة، لكن المشهد تحول اليوم بصورة كاملة. اُستبدلت التجمعات الفلسطينية بتجمعات للمستوطنين الشرسين الذين يعتدون على كل ما هو فلسطيني”، يقول فقهاء. ويضيف أن الجنود الإسرائيليين يقيمون حواجز عسكرية متنقلة على هذه الطرق، وأنهم تعرضوا للتفتيش المهين والاعتداء اللفظي.
ويشير فقهاء إلى أن الجنود يخفون هوياتهم خلف أقنعة، لأنهم يدركون أنهم يمارسون انتهاكات قد تعرضهم للمساءلة القانونية. هذا يعكس حالة من الإفلات من العقاب، وتشجيعًا ضمنيًا على العنف ضد الفلسطينيين. هذه الممارسات تهدف إلى ترويع السكان المحليين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم.
دور الجمعيات الاستيطانية والمجموعات المسلحة
تقوم عملية التغيير هذه على دعم كبير من الجمعيات الاستيطانية، التي توفر كل مقومات الحياة للمستوطنين الجدد، بما في ذلك الرواتب، والمواشي، والبيوت، والمولدات الكهربائية، وسيارات الدفع الرباعي، والطائرات المسيرة. هذه الجمعيات تعمل بشكل وثيق مع المجموعات المسلحة، التي ترتكب اعتداءات يومية على التجمعات الريفية الفلسطينية، بهدف إجبار السكان على الرحيل. وتشمل هذه الاعتداءات إضرام النار في البيوت والحقول، وضرب النساء والأطفال، وإطلاق النار، والدهس.
وبحسب تقارير مكتب الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة ومركز “بتسيلم” لحقوق الإنسان، فإن عدد التجمعات التي تعرضت للتهجير تجاوز 100 تجمع. هذا يشير إلى حجم الكارثة الإنسانية التي تحدث في الضفة الغربية، والى التحديات الكبيرة التي تواجه السكان الفلسطينيين.
الدعم الحكومي والتشريعات الإسرائيلية
لا يقتصر الأمر على الدعم المادي واللوجستي من الجمعيات الاستيطانية، بل يمتد ليشمل الدعم الحكومي الكامل. توفر وزارات الاستيطان والأمن القومي والدفاع الحماية المادية والقانونية للمستوطنين، وتخصص لهم الموازنات كأنهم جزء من دولة إسرائيل. الجنود ينتشرون في المناطق ويراقبون عمليات الاعتداء والتهجير دون التدخل، إلا في حال وجود تهديد للمعتدين أنفسهم.
إضافة إلى ذلك، وفرت الحكومة الإسرائيلية رزمة من القوانين التي تسمح للمستوطنين بالاستيطان والتملك، حتى في مناطق السلطة الفلسطينية. وقامت بنقل السلطة على الأراضي الفلسطينية والمستوطنات من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسة المدنية، مما يسهل عملية الاستيطان والتوسع.
توسيع البنية التحتية وتغيير الخارطة الجغرافية
يشمل التغيير أيضًا إقامة بنى تحتية في الضفة الغربية، مرتبطة ببنى تحتية في دولة إسرائيل، مثل الطرق السريعة وشبكات الكهرباء والمياه والطاقة النظيفة. على سبيل المثال، يتم توسيع الشارعين الرئيسيين العابرين للضفة الغربية، وهما الشارع رقم 90 والشارع رقم 60، وربطهما مع الطرق التي تربط شمال إسرائيل بجنوبها. هذه المشاريع تؤدي إلى تغيير واسع في الهوية البصرية للأراضي الفلسطينية، وتبدو معها مساحات واسعة من الضفة الغربية كأنها امتداد لدولة إسرائيل. هذه التغييرات الجغرافية تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة، وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إن انتشار الأعلام الإسرائيلية ونجمة داود السداسية في الضفة الغربية ليس مجرد رمزية، بل هو جزء من خطة شاملة لتغيير الهوية البصرية والسياسية والجغرافية للمنطقة. يتطلب هذا الوضع تدخلًا دوليًا عاجلًا لوقف عملية الاستيطان والتهجير، وحماية حقوق الفلسطينيين في أرضهم.












