الصحة والجمال

تطوير لقاح تجريبي قادر على إبطاء نمو أورام فيروس الورم الحليمي

طور باحثون بجامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة لقاحاً تجريبياً للسرطان، يمثل نقلة نوعية في علاج السرطانات المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري (HPV). أظهر هذا اللقاح التجريبي قدرة ملحوظة على إبطاء نمو الأورام، وإطالة معدلات البقاء على قيد الحياة في النماذج قبل السريرية، وذلك بفضل تصميمه النانوي الدقيق الذي يعزز الاستجابة المناعية المضادة للسرطان. هذه التطورات تفتح آفاقاً جديدة في مكافحة هذا النوع من السرطانات، وتقدم نموذجاً مبتكراً لتصميم اللقاحات بشكل عام.

الطب النانوي البنيوي: ثورة في تصميم اللقاحات

لم يأتِ الأداء المتفوق لهذا اللقاح التجريبي للسرطان نتيجة لتغيير مكوناته، بل من خلال إعادة تنظيمها بطريقة مدروسة على المستوى النانوي. تسلط الدراسة، التي نشرتها دورية Science Advances، الضوء على مبدأ علمي عمل عليه الباحثون على مدار العقد الماضي: فاعلية اللقاحات لا تعتمد فقط على نوعية مكوناتها، بل أيضاً على بنيتها الهندسية وكيفية ترتيب هذه المكونات داخل الجسيم اللقاحي. هذا المبدأ هو جوهر ما يعرف بالطب النانوي البنيوي.

ما هو الطب النانوي البنيوي؟

يشرح الباحث الرئيسي في الدراسة، تشاد ميركين، رائد الطب النانوي في الجامعة ومبتكر مصطلح الطب النانوي البنيوي، أن اللقاحات والأدوية الكبيرة والمعقدة تحتوي على آلاف المتغيرات. يساعد مجال الطب النانوي البنيوي في تحديد الترتيبات التي تحقق أعلى فاعلية وأقل سمية من بين عدد لا يحصى من الاحتمالات. “بمعنى آخر، يمكننا بناء أدوية أفضل من الأساس إلى القمة”، كما يقول ميركين.

في المقاربات التقليدية لتصميم اللقاحات، غالباً ما يعتمد الباحثون على خلط المكونات الأساسية معاً. على سبيل المثال، تتكون العلاجات المناعية للسرطان عادةً من مستضدات مشتقة من الخلايا الورمية، ممزوجة بمادة مساعدة تحفز الجهاز المناعي، ثم يتم حقن هذه “الكوكتيلات” في المرضى.

الابتعاد عن “منهج الخلاط”

يصف ميركين هذه الطريقة بـ”منهج الخلاط”، حيث تكون المكونات غير منظمة بنيوياً. ويؤكد أن تطور الأدوية خلال العقود الماضية انتقل من جزيئات صغيرة محددة جيداً إلى أدوية أكثر تعقيداً، ولكن أقل تنظيماً من حيث البنية. ويضيف: “لقاحات فيروس كورونا مثال جميل؛ إذ لا يوجد داخلها جسيمان متطابقان تماماً، ورغم أنها مثيرة للإعجاب ومفيدة للغاية، يمكننا أن نحقق أداء أفضل، ولإنشاء أكثر لقاحات السرطان فاعلية، سيتعين علينا ذلك”.

داخل مختبر ميركين، أثبت الباحثون أن منهج الطب النانوي البنيوي يسمح بتنظيم المستضدات والمواد المساعدة في تكوينات مثالية. وعند ترتيب المكونات بالطريقة المناسبة، تظهر فاعلية أعلى وسمية أقل مقارنة بنظيراتها غير المنظمة. وقد طبق هذا النهج بالفعل لتطوير لقاحات ضد عدة أنواع من السرطان، بما في ذلك الميلانوما، وسرطان الثدي الثلاثي السلبي، وسرطان القولون، وسرطان البروستاتا، وسرطان خلايا ميركل.

التركيز على السرطانات المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري

في الدراسة الجديدة، ركز الباحثون على السرطانات الناجمة عن فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يسبب معظم حالات سرطان عنق الرحم، ونسبة متزايدة بسرعة من سرطانات الرأس والعنق. على الرغم من أن اللقاحات الحالية ضد هذا النوع من السرطان قادرة على الوقاية من العدوى الفيروسية، إلا أنها لا تساعد المرضى بعد تطور السرطان.

تدريب الجهاز المناعي على مكافحة الخلايا السرطانية

ولسد هذه الفجوة، صمم الباحثون عدة لقاحات علاجية تهدف إلى تدريب أقوى أذرع الجهاز المناعي، وهي الخلايا التائية القاتلة، على التعرف إلى الخلايا السرطانية الإيجابية لفيروس الورم الحليمي البشري وتدميرها. تحتوي كل جسيمة لقاحية على نواة دهنية نانوية، وحمض نووي محفز للمناعة، وجزء قصير من بروتين فيروسي موجود بالفعل داخل الخلايا الورمية.

أهمية الترتيب النانوي للمكونات

احتوت جميع نسخ اللقاح على المكونات نفسها، وكان الاختلاف الوحيد في موضع واتجاه الجزء الببتيدي المشتق من الفيروس. جرب الباحثون 3 طرق مختلفة لوضع “العلامة” التي يتعرف بها الجهاز المناعي على الخلايا السرطانية. في الطريقة الأولى أخفوا العلامة داخل الجسيم النانوي الصغير جداً، وفي الطريقتين الأخريين وضعوها على سطحه، مع تغيير طريقة تثبيتها. هذا الفرق الصغير في الاتجاه قد يبدو بسيطاً، لكنه يغير الطريقة التي “يراها” ويتعامل معها الجهاز المناعي، وبالتالي قد يجعل الاستجابة المناعية أضعف أو أقوى.

أظهرت النتائج أن اللقاح الذي عرض المستضد على سطح الجسيم وثبته عبر طرفه الأميني حقق استجابة مناعية أقوى بكثير. فقد أنتجت الخلايا التائية القاتلة مستويات من الإنترفيرون-جاما، وهو بروتين يفرزه الجهاز المناعي، يصل إلى 8 أضعاف مقارنة بالتصاميم الأخرى. وكانت هذه الخلايا أكثر فاعلية بكثير في قتل الخلايا السرطانية الإيجابية لفيروس الورم الحليمي، وفي نماذج الفئران المصابة بسرطان إيجابي للورم الحليمي البشري، تباطأ نمو الأورام بشكل ملحوظ وامتدت فترات البقاء. وفي عينات أورام مأخوذة من مرضى بسرطانات رأس وعنق إيجابية للفيروس، ضاعفت اللقاحات قدرة قتل الخلايا السرطانية بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات.

مستقبل تصميم اللقاحات

يؤكد الباحثون أن هذا التأثير لم ينتج عن إضافة مكونات جديدة أو زيادة الجرعة، بل عن تقديم المكونات نفسها بطريقة أكثر ذكاء. وينظر ميركين إلى هذه النتائج بوصفها خريطة طريق لإعادة تقييم لقاحات سابقة بدت واعدة، لكنها فشلت في إحداث استجابات مناعية قوية. ويتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً في مستقبل تصميم اللقاحات؛ إذ يمكن لخوارزميات التعلم الآلي أن تستعرض بسرعة التوليفات شبه اللانهائية من المكونات لتحديد البنى الأكثر فاعلية.

يؤكد ميركين أن هذا النهج مهيأ لتغيير الطريقة التي تصاغ بها اللقاحات، قائلاً: “ربما تجاوزنا مكونات لقاحية جيدة فقط لأنها كانت في تكوينات خاطئة؛ ويمكننا العودة إليها، وإعادة هيكلتها، وتحويلها إلى أدوية قوية؛ فمفهوم الطب النانوي البنيوي أشبه بقطار ضخم ينطلق على السكة، لقد أثبتنا أن البنية مهمة باستمرار ودون استثناء”. هذا التقدم يمثل خطوة كبيرة نحو تطوير علاجات أكثر فعالية للسرطان، ويفتح الباب أمام مستقبل واعد في مجال الطب النانوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى