Nuremberg.. المعرفة لا تحمي أحداً

يشير عنوان فيلم نورمبرج إلى مدينة نورمبرج الألمانية، التي شهدت المحاكمات الشهيرة والمثيرة للجدل في أربعينيات القرن الماضي، بمشاركة أربع قوى كبرى: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، والاتحاد السوفيتي، والتي تحالفت لهزيمة ألمانيا النازية ومحاكمة قادتها العسكريين. الفيلم، ضمن إطار أفلام دراما الحرب العالمية الثانية، يقدم منظوراً خاصاً، خاصةً في تعامل كاتب العمل ومخرجه جيمس فاندربيلت مع ما وراء القصة التاريخية المعروفة. حرص صناع الفيلم منذ البداية على الابتعاد عن الإرث السينمائي الثقيل المرتبط باسم نورمبرج.
نورمبرج: ليس إعادة إنتاج بل منظور جديد
هذا الفيلم لا يسعى للمنافسة مع فيلم “Judgment at Nuremberg” (حكم في نورمبرج) للمخرج ستانلي كرامر، ولا يعيد تدوير فكرته. الفيلم القديم ركز بشكل كبير على تصدير صياغة أخلاقية للكارثة البشرية وتعزيز فكرة أن المحرقة هي ذروة الصدمة. أما فيلم نورمبرج الحالي، فيحاول، من خلال “نواياه المضمرة” التي تجلت في مونولوج طويل، وفي توقيته الذي يشهد تعاطفاً عالمياً مع الإبادات الجماعية، تمرير رسالة هوليودية مفادها أن المحرقة هي المأساة البشرية الوحيدة والمظلومية الكبرى في الوعي الغربي. هذا ليس حكماً مسبقاً، بل نتيجة طبيعية للتركيز على هذه النقطة.
الفيلم كدراسة نفسية للشر
مشاهدة هذه الدراما تستحضر في الأذهان صوراً و أصواتاً للإبادات والحروب والعنف الذي يجتاح العالم مؤخراً. كما تدعو إلى التفكير في سيناريوهات مشابهة لأحداث الفيلم لو تمت محاكمة المسؤولين اليوم، وماذا ستكون مبرراتهم حينها؟ بعيداً عن كل ذلك، إذا تعاملنا مع الفيلم كمادة فنية خالصة، فإنه يضع جرائم الحرب كظل ثقيل يضغط على الشخصيات من الداخل. يظهر هامش الفيلم كتقرير للجرائم في قاعة المحكمة، بينما يكمن متنه الأساسي في العلاقة الثنائية بين الطبيب النفسي المكلف في الجيش الأمريكي دوجلاس كيلي (يقوم بدوره رامي مالك)، والذي يقيم الحالة العقلية للمجرمين قبل المحاكمة، وبين السجين هيرمان جورينج (يقوم بدوره راسل كرو)، الرجل الثاني في النظام النازي بعد هتلر. تستند مواجهتهما الحوارية إلى كتاب “النازي والطبيب النفسي” تأليف جاك الحاي.
تحول الفيلم إلى مواجهة نفسية
قبل بدء المحاكمة، يتحول الفيلم جذرياً من رصد تاريخي إلى مواجهة نفسية تعتمد على الحوار والتلاعب وإدارة السلطة داخل مساحة مغلقة. كيف تشكلت هذه العلاقة الغريبة بين طبيب عسكري وسجين نازي، وما الذي آلت إليه؟ الفيلم يستكشف فخ العاطفة والجسور العائلية، ويبدأ في صلب الحكاية بجهود القاضي روبرت جاكسون (يقوم بدوره مايكل شانون) لمحاكمة النازيين محاكمة علنية بدلاً من إعدامهم. هذا القرار يفتح الباب أمام استكشاف الشخصيات، ويكتشف الطبيب “كيلي” أن هيرمان جورينج يتقن الإنجليزية ويتعمد إخفاء ذلك. تتضح طبيعة اللعبة من خلال لغة جسدهما، حيث يختبر كل طرف الآخر، وكل إجابة تُحضَّر بوعي كامل.
التلاعب النفسي وبناء العلاقة
السيناريو يستثمر هذه الوظيفة ليخلق منطقة رمادية، وذلك بتطعيم الأدوات النفسية. لم تظهر مشاهدهما كتحقيق رسمي أو علاج نفسي، بل كعلاقة تبدو ودية، تتخللها زيارات متكررة للزنزانة، وأحاديث جانبية مرحة، وألعاب ورقية، وحوار عن الروابط العائلية والدفء والصداقة. هكذا عرف هيرمان كيف يطبخ كيلي على نار هادئة، ليخرج الطبيب تدريجياً من الطابع المؤسسي للجلسات ويدخله إلى باب بيته. تتطور الحبكة عندما يتولى الطبيب تسليم الرسائل لزوجة وابنة جورينج، ويتواطأ لأجل هذا الهدف النبيل، وتستولي عليه الشكوك حول حقيقة سادية هيرمان ومحاولته إثبات العكس للقيادة العسكرية. هنا تكمن رشة السحر في هذا العمل السوداوي، في كادر الزنزانة الضيقة، وما يفضيه الحوار من مخاوف وصراعات نفسية. الزنزانة تتحول إلى ساحة مفاوضات للسيطرة النفسية، حيث يعيد هيرمان توجيه النقاش ويستدرج الطبيب إلى تبني افتراضات أخلاقية لم تُختبر بعد.
المحاكمة وتحدي الأخلاق
تشكل جلسة المحاكمة الأولى صدمة بصرية لدى الحاضرين، وتؤدي إلى كسر الثقة بين الطبيب النفسي دوجلاس كيلي وهيرمان جورينج. حتى تلك اللحظة، كانت المواجهة قائمة على توازن في السيطرة الحوارية. دخول الصور الموثقة للمحرقة يغير طبيعة العلاقة جذرياً، وينفجر غضباً كيلي ويسأل: “لماذا فعلت كل هذا بالبشر؟”. يرمي هيرمان الكرة في ملعب الطبيب ويضعه أمام تاريخ مماثل، وذلك عبر المقارنة بالقصف النووي الأميركي على اليابان. هذه المقارنة لا تهدف إلى التبرير، بل إلى زعزعة “الامتياز الأخلاقي”.
نهاية الفيلم ورسالته
في المحاكمة الثانية والأخيرة، يعتلي هيرمان المنصة بشموخ و كبرياء، ويقف باتجاه كاميرات وكالات الأنباء. يختتم المخرج فاندربيلت أسلوبه في التبسيط الدرامي، ويقدم حكماً معروفاً، لكن شخصية هيرمان النرجسية تستثمر آخر قطرة من الذكاء العاطفي بكلمة عتاب: “لقد كنت صديقي”. تعود بنا النهاية إلى إجابة هيرمان عن سؤال الانتحار: “ملاذ الجبناء الأخير”. النهاية مزدوجة للبطلين، وتفتح سؤالاً نفسياً مقلقاً: هل العدوى رمزية، أم أن الاقتراب الطويل من عقل مهووس بالسيطرة يترك أثراً لا يُمحى؟ الفيلم يقدم سقوطاً أخلاقياً جزئياً أمام شخصية فاشية، تمتلك قدرة عالية على إعادة صياغة العنف ضمن خطاب عقلاني. نورمبرج ينجح في تقديم تجربة مشدودة نفسياً، حتى وهو يتحرك داخل إطار سياسي معروف، ويؤكد أن المواجهة النفسية هي المساحة التي يحقق فيها العمل أقصى درجات كثافته.












