رئيس إثيوبيا: أفريقيا لم تعد مراقباً للتغيرات العالمية

أفريقيا اليوم ليست كما كانت، بل قارة تتطلع إلى المستقبل بثقة وتصميم. في كلمته أمام القمة العالمية للحكومات 2026، أكد رئيس إثيوبيا، تايي أتسكي سيلاسي، أن القارة الأفريقية تشهد تحولاً جذرياً، وتسعى لإعادة تعريف دورها في النظام العالمي. لم تعد أفريقيا مجرد متلقية للأحداث، بل أصبحت قوة فاعلة تسعى لتشكيل مستقبلها من خلال التكامل الاقتصادي والمشاريع البنيوية. هذا التحول يمثل محوراً أساسياً في رؤية إثيوبيا، ويشكل موضوعاً هاماً للنقاش في أوساط القيادة الأفريقية وصناع القرار العالميين.
أفريقيا: من المراقب إلى المهندس
لم يعد مقبولاً أن تنظر أفريقيا إلى التطورات الجيوسياسية والاقتصادية كمتفرجة. الرئيس الإثيوبي شدد على أن القارة تمتلك القدرة والموارد اللازمة لتكون مهندساً لمستقبلها. هذا الطموح يتجسد في مبادرات مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتي تمثل حجر الزاوية في أجندة الاتحاد الأفريقي 2063. تعتبر هذه المنطقة سوقاً ضخمة تضم 1.3 مليار نسمة، وبناتج محلي يتجاوز 3.4 تريليون دولار، مما يجعلها وجهة استثمارية واعدة.
منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية: بوابة نحو الازدهار
تعتمد خطة النجاح في هذه المنطقة على إزالة الحواجز الجمركية، حيث تسعى القارة إلى إلغاء 90% منها. هذا الإجراء يهدف إلى بناء شبكات إنتاج إقليمية قوية، وتعزيز التجارة البينية بين الدول الأفريقية. الرئيس سيلاسي أوضح أن التكامل والربط العابر للحدود هما أساس النمو الاقتصادي المستدام في أفريقيا. مشاريع تطوير الممرات الحيوية تعتبر شريان الحياة الذي يغذي الصناعة الأفريقية ويعزز التبادل التجاري.
الطاقة والبنية التحتية: ركائز التنمية المستدامة
إثيوبيا تؤمن بأن الطاقة هي المحرك الأساسي للتنمية، وهذا ما يتجلى في مشروع سد النهضة الإثيوبي. هذا السد، الذي تم بناؤه بالاعتماد على الموارد الوطنية، ينتج الآن أكثر من 6000 ميجاوات من الطاقة النظيفة، ويشكل جزءاً لا يتجزأ من خطة الربط الكهربائي لعموم أفريقيا. هذا المشروع يعكس التزام إثيوبيا بتوفير الطاقة النظيفة والمستدامة للقارة.
الاستثمار في قطاع الطيران: نافذة على العالم
بالإضافة إلى الطاقة، تولي إثيوبيا أهمية كبيرة لتطوير البنية التحتية، وخاصة قطاع الطيران. تستثمر الحكومة في بناء مطار دولي ضخم بتكلفة 12.5 مليار دولار، قادر على استيعاب 110 مليون مسافر سنوياً، وأكثر من 3 ملايين طن من الشحن الجوي. هذا المطار سيعزز الربط بين أفريقيا والعالم، ويساهم في جذب الاستثمارات وتعزيز السياحة. هذه الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية تعكس رؤية التنمية الأفريقية الطموحة.
الثقة والتعاون: مفتاح مستقبل أفريقيا
تطرق الرئيس سيلاسي إلى قضية الثقة في النظام الدولي، وانتقد العلاقات غير المتكافئة التي واجهتها بعض الدول الأفريقية في الماضي. أكد أن أفريقيا لا تملك رفاهية ارتكاب الأخطاء، وأن كل خطوة يجب أن تخضع لمراجعة دقيقة لضمان تحقيق أقصى فائدة. وفيما يتعلق بالاستقطاب العالمي، أكد أن أفريقيا لن تنحاز إلى طرف على حساب آخر، بل ستعمل على تعزيز مصالحها المتبادلة.
الشراكة الحقيقية: دعوة إلى التعاون الشامل
دعا الرئيس سيلاسي المجتمع الدولي إلى إقامة شراكة حقيقية قائمة على الشمولية لا الإقصاء. وأشار إلى أن النسخة الأفضل من التقدم البشري الجماعي لم تولد بعد، ولكنه متفائل بجيل الشباب من القادة المبتكرين القادرين على بناء العالم الذي نطمح إليه. هذه الدعوة تعكس رغبة أفريقيا في بناء علاقات تعاونية مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. إن التكامل الاقتصادي الأفريقي يتطلب دعماً دولياً حقيقياً.
في الختام، يمكن القول أن القارة الأفريقية تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التطور والازدهار. رؤية إثيوبيا الطموحة، والتي تمثل جزءاً من رؤية أوسع للقيادة الأفريقية، تركز على التكامل الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الثقة والتعاون. هذه الرؤية تتطلب دعماً دولياً حقيقياً، وشراكة شاملة تهدف إلى بناء مستقبل أفضل للجميع. إن مستقبل أفريقيا ليس مجرد مستقبل للقارة نفسها، بل هو مستقبل للعالم بأسره. ندعوكم لمتابعة تطورات هذه القارة الواعدة، والمساهمة في تحقيق رؤيتها الطموحة.












