“القومي للسينما” يحتفل بمئوية يوسف شاهين بفيلمي “عيد الميرون” و “وداعا

يُعدّ يوسف شاهين أحد أعمدة السينما المصرية والعربية، وأمسية تكريمية أقيمت له مؤخرًا في مركز الثقافة السينمائية بالقاهرة، أعادت إلى الأذهان مسيرة فنان استثنائي، ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن السابع. هذه الأمسية، التي أُقيمت بمناسبة الاحتفال بذكرى مئوية ميلاده، سلطت الضوء على أفلامه الرائدة وتأثيرها العميق على المجتمع والثقافة.
ذكرى مئوية ميلاد عملاق السينما المصرية: يوسف شاهين
احتفل مركز الثقافة السينمائية (36 شارع شريف)، التابع للمركز القومي للسينما، بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926 – 27 يوليو 2008) بعرض فيلمين من أهم أعماله: “عيد الميرون” للمخرج نفسه، و”وداعًا أيها الأمير” للمخرج عمرو زغلول. لم يكن هذا العرض مجرد استعراض لأفلام، بل كان تجسيدًا لمسيرة حياة فنية وثقافية غنية، امتدت لعقود وأثرت في أجيال من السينمائيين والمشاهدين.
بداية موهوبة في الإسكندرية ورحلة إلى أمريكا
ظهرت موهبة يوسف شاهين في سن مبكرة في مدينة الإسكندرية، حيث نشأ وترعرع. كان شغفه بالفن واضحًا منذ البداية، مما دفعه إلى السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراسته في مجال السينما. هذه التجربة كانت حاسمة في تشكيل رؤيته الفنية، حيث تعرّف على أحدث التقنيات والأساليب السينمائية، وعاد إلى مصر مسلحًا بالمعرفة والطموح.
الأفلام الأولى: انحياز للواقع وقضايا المجتمع
بعد عودته من أمريكا، بدأ يوسف شاهين مسيرته الإخراجية بفيلم “بابا أمين” (1950)، الذي عبّر عن انحيازه لقيمة الأسرة وأهميتها في المجتمع المصري. ثمّ قدم فيلمه الثاني “ابن النيل” (1951)، الذي تناول قضية الفيضان وتأثيرها المدمر على حياة الفلاحين المصريين، مُظهرًا بذلك اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والواقعية. توالت أعماله بعد ذلك، ومن بينها فيلم “الناصر صلاح الدين” (1963) الذي يعتبر ملحمة تاريخية سينمائية.
شاهين: مفكر سينمائي وطني
وُصف يوسف شاهين بأنه مفكر سينمائي وطني، وهو وصف يعكس التزامه بقضايا وطنه وعروبته. تجلّى هذا في أفلامه مثل “الأرض” (1970) و”العصفور” (1972)، اللتين تناولتا قضايا الصراع الطبقي والظلم الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، حرص شاهين على تقديم سيرته الذاتية ومزجها بمحطات تاريخية بارزة، كما في سلسلة أفلام “إسكندرية” (“إسكندرية ليه”، “إسكندرية كمان وكمان”، “إسكندرية نيويورك”)، والتي تعتبر تحفة فنية فريدة من نوعها. هذه الأفلام لم تكن مجرد قصص شخصية، بل كانت تعبيرًا عن الهوية المصرية والعربية في فترة تاريخية مهمة.
التمرد والرؤية الإنسانية في أعماله
لم يقتصر يوسف شاهين على تقديم الأفلام الواقعية والاجتماعية، بل برز أيضًا كمخرج متمرد، يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة وتحدي التابوهات. أفلامه كانت دائمًا ما تثير الجدل والنقاش، مما يعكس شجاعته الفنية والتزامه بالحقيقة. إلى جانب ذلك، عبّر شاهين في أعماله عن رؤيته الفكرية والإنسانية، من خلال تناوله لقضايا الحب، والموت، والحرية، والعدالة.
التكريمات العالمية والإرث السينمائي
حاز يوسف شاهين على شهرة عالمية واسعة، وشاركت ستة من أفلامه في مهرجانات دولية كبرى. كما تم اختيار اثني عشر فيلمًا من أعماله ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996. على مدار مسيرته الفنية، أخرج شاهين 39 فيلمًا، حازت بعضها على جوائز مهمة، مثل “الدب الفضي” من مهرجان برلين عام 1979 عن فيلم “إسكندرية ليه”، و”السعفة الذهبية” من مهرجان كان عن مجمل أعماله، و”التانيت الذهبي” من مهرجان قرطاج عام 1970 عن فيلم “الاختيار”.
هذا التكريم العالمي يؤكد على مكانة يوسف شاهين كواحد من أهم المخرجين في تاريخ السينما العالمية. إرثه السينمائي لا يزال يلهم الأجيال الجديدة من المخرجين والمبدعين، وتبقى أفلامه شاهدة على عبقريته الفنية والتزامه بقضايا وطنه وإنسانيته. الاحتفال بذكرى مئوية ميلاده هو فرصة لتجديد العهد مع فنه ورؤيته، والتأكيد على أهمية السينما كأداة للتغيير والتعبير عن الهوية.
السينما المصرية والاحتفاء بالرواد
إن الاحتفاء بـ يوسف شاهين ورموز السينما المصرية الأخرى ليس مجرد تذكير بتاريخ الفن، بل هو استثمار في المستقبل. فالسينما المصرية لديها تراث غني ومتنوع، يجب الحفاظ عليه وتطويره. من خلال تكريم الرواد ودعم المواهب الشابة، يمكن للسينما المصرية أن تستعيد مكانتها الرائدة في المنطقة والعالم. كما أن إحياء ذكرى هؤلاء الفنانين الكبار يساهم في تعزيز الهوية الثقافية والوطنية، ويغذي الإبداع والابتكار. السينما المصرية هي مرآة تعكس واقع المجتمع وتطلعاته، وهي وسيلة للتواصل والحوار بين الثقافات المختلفة.












