اخبار التقنية

مصر.. خطة قومية لحل أزمة “كلاب الشوارع” خلال 180 يوماً

كلاب الشوارع في مصر: أزمة صحية واجتماعية تتطلب حلولاً جذرية

في يوم عادي، خرجت ليلى علي من عملها في قلب القاهرة، متجهة إلى متجر قريب لشراء احتياجاتها. لم يكن هناك ما ينذر بالخطر، ولكن في طريقها، لاحظت وجود كلب. حاولت الابتعاد قدر الإمكان، على الرغم من أنها لا تخشى الكلاب عادةً. لكن سرعان ما ظهرت كلبة أخرى، واستمرت ليلى في طريقها دون توتر، حتى هاجمتها الكلبة فجأة، مغرِسةً أنيابها في ساقها اليمنى. لحسن الحظ، تدخل المارة وأبعدوا الكلبة، لكن الحادث ترك ليلى في حالة صدمة، وتوجهت إلى المستشفى لتلقي العلاج.

في المستشفى، اكتشفت ليلى أن هناك وحدة خاصة تسمى “وحدة العقر” مخصصة لعلاج حالات العض والخدش من القطط والكلاب، وأن عدد الحالات يتزايد بشكل ملحوظ، حيث تصل عشرات الحالات يومياً لتلقي لقاحات الوقاية. هذه الحادثة، وغيرها الكثير، أعادت إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول كلاب الشوارع في مصر، وأسباب انتشارها، والمخاطر الصحية التي تمثلها.

أزمة متفاقمة: أرقام متباينة وتحديات صحية

تتفاقم أزمة كلاب الشوارع في مصر يوماً بعد يوم، مع تزايد الشكاوى من المواطنين الذين تعرضوا للعض أو الخدش، أو يشعرون بالخوف والقلق بسبب انتشارها في الأحياء السكنية والمناطق العامة. تتراوح التقديرات حول أعدادها بشكل كبير، مما يعكس غياب بيانات دقيقة. فبينما تشير تقديرات وزارة الزراعة إلى وجود ما بين 8 و 14 مليون كلب، تقدر وزارة الصحة العدد بما يتراوح بين 15 و 40 مليون، بينما ترى نقابة الأطباء البيطريين أن العدد الحقيقي يتراوح بين 20 و 30 مليون كلب.

هذا التباين في الأرقام يعقد مهمة إيجاد حلول فعالة، ويجعل من الصعب تقييم حجم المشكلة بدقة. إضافة إلى ذلك، يثير انتشار الكلاب الضالة مخاوف صحية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بمرض السعار، الذي يعتبر من أخطر الأمراض المنقولة من الحيوانات إلى الإنسان. سجلت مصر 1.4 مليون حالة عقر في عام 2023، مع تخصيص أكثر من مليار جنيه لتوفير الأمصال واللقاحات.

خطة حكومية طموحة: 180 يوماً لإنهاء الأزمة

في محاولة لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة، أعلنت وزارة الزراعة المصرية عن خطة متكاملة لمدة 180 يوماً تهدف إلى إنهاء أزمة كلاب الشوارع. تعتمد الخطة على الشراكة مع المجتمع المدني، وتعزيز برامج التعقيم والتحصين، وتوفير 30 سيارة مجهزة للانتشار في الشوارع والمناطق المختلفة.

كما أعلنت الوزارة عن إنشاء 12 مركزاً لإيواء الكلاب الضالة في 12 محافظة، وتطبيق برامج التحصين والتعقيم الجراحي، ضمن الاستراتيجية الوطنية “مصر خالية من السعار بحلول 2030”. ويرى وزير الزراعة أن المشكلة ليست وليدة اللحظة، وأن أعداد الكلاب زادت بعد أحداث 2011 في المناطق العشوائية وأماكن تجميع القمامة.

التعاون مع الأطباء البيطريين والمجتمع المدني

لا يقتصر الأمر على جهود وزارة الزراعة، بل يشمل أيضاً التعاون مع نقابة الأطباء البيطريين، وتفعيل دور المجتمع المدني. فقد بحث وزير الزراعة مع نقيب الأطباء البيطريين سبل التعاون لوضع حلول علمية وإنسانية تضمن الحد من أخطار ظاهرة الكلاب الضالة.

كما تم الاتفاق على التعاقد مع أكثر من 4500 طبيب بيطري لدعم منظومة الطب البيطري في المحافظات، وتسريع وتيرة حل الأزمة. وفي هذا السياق، بدأت الوزارة المرحلة الميدانية لتعقيم وتحصين الكلاب، حيث تم تحصين وتعقيم المئات منها في مناطق مختلفة، مع نقل البعض الآخر إلى مراكز الإيواء.

نحو منهج علمي وإنساني للتعامل مع الظاهرة

يشير الخبراء إلى أهمية تبني منهج علمي وإنساني للتعامل مع أزمة كلاب الشوارع. فالتعقيم والتطعيم هما الحلول الأكثر فعالية للسيطرة على التكاثر والوقاية من الأمراض، بينما يجب أن يتم الإيواء في مراكز مجهزة توفر الرعاية اللازمة للكلاب.

يجب أيضاً التركيز على التوعية المجتمعية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول الكلاب، وتعزيز ثقافة الرفق بالحيوان. كما يجب معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة، مثل التخلي عن الحيوانات الأليفة، وغياب الرقابة على مزارع الكلاب، وتوفر الغذاء في الشوارع.

أنواع الكلاب المنتشرة في الشوارع المصرية

الغالبية العظمى من الكلاب في الشوارع المصرية هي كلاب بلدية مصرية، وهي نتاج تزاوج طبيعي عبر أجيال. إلا أن هناك أيضاً عدداً كبيراً من الكلاب الهجينة الناتجة عن تزاوج الكلاب البلدية مع كلاب منزلية مهجورة. وفي حالات نادرة، قد تظهر كلاب تنتمي إلى سلالات معروفة، ولكنها غالباً ما تكون خليطة أو مهملة.

التعامل الآمن مع الكلاب المتشرده

يؤكد الأطباء البيطريون على أهمية الحذر عند التعامل مع الكلاب المتشرده، خاصة القطعان أو تلك التي ترافق جراءها. ينصحون بتجنب الجري أو إثارة الذعر، والابتعاد ببطء مع تجنب التواصل البصري المباشر، واستخدام حاجز بسيط إذا لزم الأمر. وفي حالة التعرض للعض، يجب التوجه فوراً إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

مستقبل أفضل: التعاون والتخطيط الاستراتيجي

إن أزمة كلاب الشوارع في مصر هي أزمة معقدة تتطلب حلولاً شاملة ومستدامة. يتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً بين الحكومة والمجتمع المدني والأطباء البيطريين، وتخطيطاً استراتيجياً يراعي الجوانب الصحية والاجتماعية والبيئية. من خلال تبني منهج علمي وإنساني، والاستثمار في برامج التعقيم والتطعيم والإيواء، والتوعية المجتمعية، يمكن لمصر أن تتغلب على هذه الأزمة، وتضمن سلامة وصحة مواطنيها، وتحقق التوازن البيئي المطلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى