شرطة دبي تعزز منظومتها بتقنيات «الأنساب الوراثية الجنائية»

شرطة دبي تتبنى تقنية الأنساب الوراثية الجنائية المتقدمة لتعزيز الأمن والعدالة
في خطوة رائدة تعكس التزامها الدائم بالابتكار والتطوير، أعلنت شرطة دبي عن تطبيق تقنية الأنساب الوراثية الجنائية (Forensic Genetic Genealogy)، وهي أحدث التقنيات المستخدمة عالمياً في مجال التحقيقات الجنائية. هذه التقنية المتقدمة تمثل نقلة نوعية في قدرة الشرطة على حل الجرائم المعقدة، وتحديد هوية الجناة بدقة عالية، وتعزيز الأمن المجتمعي في إمارة دبي. تعتمد هذه التقنية على تحليل الحمض النووي (DNA) من مسرح الجريمة ومقارنته بقواعد بيانات وراثية عالمية واسعة النطاق، مما يفتح آفاقاً جديدة في عالم الأدلة الجنائية.
ما هي تقنية الأنساب الوراثية الجنائية؟
تقنية الأنساب الوراثية الجنائية ليست مجرد مطابقة مباشرة للحمض النووي، بل هي عملية تحليل معقدة تعتمد على تحديد صلات القرابة البعيدة بين الحمض النووي المجهول الموجود في مسرح الجريمة وبين الحمض النووي لأفراد في قواعد البيانات الوراثية العامة. هذه القواعد البيانات، مثل GEDMatch، تحتوي على ملايين الملفات الوراثية لأفراد قاموا بمشاركتها طوعاً بهدف المساعدة في الأبحاث الجينية أو العثور على أقارب مفقودين.
ولكن، الاستخدام الجنائي لهذه البيانات يمثل تطوراً حديثاً ومثيراً للجدل، حيث يتيح للجهات الأمنية تتبع الروابط العائلية وبناء شجرة نسب مفصلة، قد تقود في النهاية إلى تحديد هوية الشخص المطلوب. تعتبر هذه التقنية بمثابة أداة قوية لفك رموز القضايا التي ظلت عالقة لسنوات طويلة، وذلك من خلال دمج علم الجينوم مع الأساليب التقليدية للعلوم الجنائية.
كيف تعمل هذه التقنية في الواقع؟
تبدأ العملية بتحليل الحمض النووي المستخرج من مسرح الجريمة. ثم يتم تحميل هذا الملف الوراثي إلى قاعدة بيانات مثل GEDMatch. تقوم خوارزميات متطورة بالبحث عن أفراد في قاعدة البيانات الذين يشتركون في أجزاء كبيرة من الحمض النووي مع العينة المجهولة.
هذه التطابقات لا تكون بالضرورة تطابقات كاملة، بل قد تكون صلات قرابة بعيدة، مثل أبناء العمومة أو حتى الأجداد. بعد تحديد هذه الصلات، يقوم خبراء الأنساب الوراثية ببناء شجرة عائلية دقيقة، باستخدام سجلات الأنساب العامة والمعلومات المتاحة عبر الإنترنت. من خلال تحليل هذه الشجرة العائلية، يمكنهم تضييق نطاق البحث وتحديد هوية الشخص الذي يحتمل أن يكون مرتبطاً بالجريمة.
رؤية شرطة دبي في تبني التقنيات الحديثة
أكد اللواء أحمد ثاني بن غليطة، مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة في شرطة دبي، أن تطبيق تقنية الأنساب الوراثية الجنائية يجسد رؤية القيادة الرشيدة في استباق التحديات الأمنية، وتعزيز الأمن والاستقرار في الإمارة. وأضاف أن شرطة دبي لا تكتفي بمواكبة التطورات العالمية في مجال مكافحة الجريمة، بل تسعى جاهدة لتكون في طليعة هذه التطورات، وصياغة المعايير الخاصة بها لضمان بقاء دبي مدينة آمنة ومستقرة.
هذا التوجه الاستراتيجي يعكس إدراك شرطة دبي لأهمية الاستثمار في التقنيات الحديثة، مثل تحليل الحمض النووي و الذكاء الاصطناعي، في تعزيز قدراتها على مكافحة الجريمة، وحماية المجتمع. إن تبني هذه التقنيات ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في العصر الحديث.
دور مركز الجينوم في تطبيق التقنية
يلعب مركز الجينوم في الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة دوراً محورياً في تطبيق تقنية الأنساب الوراثية الجنائية. أوضح المقدم محمد علي المري، مدير مركز الجينوم، أن هذه التقنية تتجاوز حدود الفحوص التقليدية، حيث لا تقتصر على البحث عن تطابق مباشر للحمض النووي، بل تحلل الروابط الوراثية البعيدة لبناء أشجار عائلية دقيقة.
وأضاف أن خبراء المعلوماتية الحيوية في المركز يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتصميم مسارات تحليلية مبتكرة، مما يعزز دور المركز كقوة علمية رادعة ومتطورة. هذا الدور الحيوي يساهم في ترسيخ ريادة القيادة العامة لشرطة دبي في ميادين العلوم الجنائية الحديثة، ويضمن تقديم أفضل الخدمات الأمنية للمجتمع.
التحديات الأخلاقية والقانونية
على الرغم من الإمكانات الهائلة التي توفرها تقنية الأنساب الوراثية الجنائية، إلا أنها تثير بعض التحديات الأخلاقية والقانونية. من بين هذه التحديات مسألة الخصوصية، حيث أن استخدام قواعد البيانات الوراثية العامة قد ينتهك خصوصية الأفراد الذين قاموا بمشاركة بياناتهم طوعاً.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف بشأن الدقة والموثوقية، حيث أن بناء شجرة نسب دقيقة يتطلب جهداً كبيراً وتحليلاً دقيقاً للبيانات. لذلك، من الضروري وضع إطار قانوني وأخلاقي واضح لتنظيم استخدام هذه التقنية، وضمان حماية حقوق الأفراد.
مستقبل الأنساب الوراثية الجنائية في دبي
تعتبر تقنية الأنساب الوراثية الجنائية إضافة قيمة إلى ترسانة الأدوات التي تستخدمها شرطة دبي في مكافحة الجريمة. من المتوقع أن تساهم هذه التقنية في حل العديد من القضايا المعقدة التي ظلت عالقة لسنوات طويلة، وتعزيز الأمن والاستقرار في الإمارة.
ومع استمرار التطورات في مجال علم الجينوم والذكاء الاصطناعي، فمن المرجح أن تصبح تقنية الأنساب الوراثية الجنائية أكثر دقة وفعالية في المستقبل. إن التزام شرطة دبي بالابتكار والتطوير يضمن أنها ستظل في طليعة هذه التطورات، وستواصل تقديم أفضل الخدمات الأمنية للمجتمع. إن الاستثمار في هذه التقنيات المتقدمة هو استثمار في مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً لدبي.












