اخبار الكويت

المنسيــون 2 بقلم د يعقوب يوسف الغنيم

تاريخ المسرح في الكويت: إنجازات ورواد من الماضي والحاضر

لطالما كان المسرح في الكويت مرآة تعكس تطور المجتمع وثقافته، وشاهدًا على الإبداع المستمر لأجيال من الفنانين. يعود الاهتمام بالتمثيل المسرحي إلى بدايات النهضة التعليمية في الكويت، وبالتحديد منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، عندما بدأت المدارس النظامية في إحداث تغيير نوعي في المجتمع من خلال نشر التعليم الحديث ورعاية الأنشطة المدرسية المتنوعة. لم يكن المسرح مجرد وسيلة ترفيهية، بل أداة قوية للتنوير والتوعية، ولعب دورًا حيويًا في بناء الهوية الوطنية. هذا المقال يستعرض مسيرة الحركة المسرحية الكويتية، أبرز روادها، والتطورات التي شهدتها عبر العقود، مسلطًا الضوء على بعض الأسماء التي قد غابرت عن الأذهان بالرغم من جهودها الرائدة.

بداية المسيرة: المدارس وميلاد الوعي المسرحي

بدأت جذور التمثيل المسرحي في الكويت مع إنشاء المدارس النظامية. فبعد تأسيس المدرسة المباركية عام 1911-1912، تبعتها المدرسة الأحمدية عام 1921. سرعان ما أصبحت هذه المدارس منصات لتقديم التمثيليات والاحتفالات التي تتزامن مع المناسبات الدينية والوطنية. كان هذا النشاط الملحوظ بمثابة الشرارة التي أطلقت الحركة الفنية في البلاد.

لاحظت هذه الكاتب هذا التحول منذ عام 1946 وما بعده، عندما بدأت دراسته في المدرسة الأحمدية. لم يكن الأمر مجرد عرض مسرحيات، بل كان يشكل بداية لالتزام ثقافي وفني لدى الشباب. هذا الالتزام قاد إلى تأسيس فرق مسرحية صغيرة، حيث تولى الرواد الأوائل مهام الكتابة والتمثيل والإخراج، مستمدين قوتهم من شغفهم بالفن ورغبتهم في خدمة المجتمع. ومن بين هؤلاء الرواد الأستاذ عقاب الخطيب والأستاذ محمد النشمي.

تأسيس الفرق المسرحية وتطورها

في عام 1952، شهدت الكويت تأسيس دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي كان لها دور محوري في دعم وتطوير المسرح الكويتي. تولى الأستاذ حمد الرجيب، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، إدارة الدائرة، وساهم بخبرته وشغفه في إنشاء أول فرقة مسرحية منتظمة. حصلت هذه الفرقة، بدعم من دائرة المعارف، على مسرح في ساحة مدرسة الصباح، ليصبح هذا المكان نقطة انطلاق فنانين كويتيين.

التلفزيون والجيل الثاني من الفنانين

مع بداية بث التلفزيون الكويتي في عام 1961، دخل المسرح في الكويت مرحلة جديدة. استطاع التلفزيون احتضان رواد الجيل الثاني من هواة التمثيل، وتوفير منصة أوسع لعرض أعمالهم. الأستاذ زكي طليمات، أحد كبار رجال المسرح المصري، لعب دورًا هامًا في رعاية وتوجيه هذه المواهب الشابة، وقاد إلى تأسيس فرقة المسرح العربي التي قدمت العديد من الفنانين الكويتيين الموهوبين.

رواد المسرح الكويتي: أسماء لامعة لا تُنسى

على مر السنين، قدم المسرح الكويتي العديد من الفنانين الذين تركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن. من بين هؤلاء: عبدالحسين عبدالرضا، خالد النفيسي، غانم الصالح، وسعد الفرج. أسماؤهم ما زالت تتردد في أذهان الجمهور، وما زالت أعمالهم تُعرض وتُشاهد حتى اليوم.

لكن من الضروري ألا ننسى أولئك الذين مهدوا الطريق، والذين قد غابرت أسماؤهم عن الأذهان بمرور الوقت. من حقهم علينا أن نتذكرهم ونشكرهم على جهودهم الرائدة. ومن هؤلاء الفنانين:

  • مرزوق المرزوق: فنان متميز في الأغنية الكويتية، حاصل على بكالوريوس الموسيقى، وملحن للأوبريت الغنائي الشهير «يا شموس الخليج».
  • سالم محمد الفقعان: أحد مؤسسي المسرح الكويتي، شارك في العديد من الأعمال كممثل ومؤلف ومخرج، ورئيس لفرقة مسرح الخليج العربي.
  • عايشة إبراهيم: فنانة قديرة قدمت أدوارًا متنوعة في المسرح والتلفزيون، وحصلت على العديد من الجوائز والتكريمات.
  • طيبة عبدالله الفرج: فنانة موهوبة بدأت مسيرتها مع الفنان محمد النشمي، وشاركت في العديد من المسرحيات والسهر والتلفزيونة.

الموسيقى والغناء: وجه آخر للإبداع الكويتي

لم يقتصر الإبداع الفني في الكويت على المسرح، بل امتد ليشمل الموسيقى والغناء، اللذين يعتبران من أقدم الفنون في البلاد. الشاعر والفنان عبدالله محمد الفرج، الذي ولد في عام 1836، يعتبر من أبرز رواد هذا المجال. ترك الفرج إرثًا غنائيًا ضخمًا، محفوظًا في تسجيلات صوتية تعتني بها الأستاذ أحمد البشر الرومي.

أهمية الحفاظ على التراث المسرحي

إن الحفاظ على تاريخ المسرح في الكويت وتوثيق إنجازات رواده يعتبر أمرًا بالغ الأهمية. يجب علينا أن نتذكر هؤلاء الفنانين الذين ساهموا في بناء هذا الصرح الثقافي، وأن نقدر جهودهم التي مثلت نقطة تحول في مسيرة الفن الكويتي. فذكرهم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو حافز للأجيال القادمة لمواصلة الإبداع والتجديد.

الخلاصة:

المسرح في الكويت يمثل قصة نجاح حقيقية، بدأت بجهود فردية بسيطة، وتطورت لتصبح حركة فنية قوية ومؤثرة. إن تذكر رواد هذا المسرح، والاحتفاء بإنجازاتهم، هو بمثابة تكريم للتراث الثقافي الكويتي، وتشجيع للإبداع المستقبلي. ندعو الجميع إلى الاهتمام بهذا الفن العريق، ودعم الفنانين الكويتيين، لكي يستمر المسرح الكويتي في إلهام الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى