الصحة والجمال

ما قصة حراس الأمن الكوبيين في فنزويلا.. ولماذا كان مادورو يستعين بهم؟

في أعقاب إعلان الحكومة الكوبية عن مقتل عناصر من قواتها المسلحة خلال العملية التي استهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تصاعدت التساؤلات حول الدور الأمني الذي تلعبه هافانا في حماية نظام مادورو في كراكاس. هذه الأحداث أثارت مجدداً إلى الواجهة التعاون الأمني العميق بين البلدين، والذي يعود إلى سنوات طويلة، وتحديداً منذ فترة حكم هوجو تشافيز. هذا المقال يتناول الأمن الكوبي في فنزويلا، جذوره، تطوره، وتداعياته المحتملة.

جذور التعاون الأمني بين كوبا وفنزويلا

لم يبدأ تدخل كوبا في الأمن الفنزويلي مع صعود نيكولاس مادورو إلى السلطة عام 2013. بل يعود هذا التعاون إلى عهد الرئيس الراحل هوجو تشافيز، الذي أسس علاقة وثيقة مع كوبا بعد وصوله إلى السلطة. هذه العلاقة، التي تعززت بشكل خاص بعد أحداث عام 2002، فتحت الباب أمام مشاركة كوبية متزايدة في مختلف جوانب الحياة الفنزويلية، بما في ذلك المجال الأمني.

“صدمة 2002” ونقطة التحول في الأمن الفنزويلي

في أبريل 2002، تعرض تشافيز لمحاولة انقلاب كادت أن تطيح به من السلطة. أعادته الاحتجاجات الشعبية وتغيّر ولاء بعض القوات إلى منصبه، لكن هذه التجربة تركت أثراً عميقاً على تفكيره الأمني. وفقاً لموسوعة بريتانيكا، أدرك تشافيز أن المؤسسة العسكرية والاستخبارات المحلية قد تكون عرضة للانقلاب، وبالتالي، كان بحاجة إلى طبقات حماية إضافية. هنا، ظهرت كوبا كشريك موثوق به، بحكم العلاقة الوثيقة والتحالف الأيديولوجي المشترك، لتعزيز الأمن الرئاسي.

توسيع النفوذ الكوبي: مستشارون وتطهير أمني

بعد عام 2002، بدأ تشافيز، بدعم من فيدل كاسترو، في إدخال مستشارين كوبيين إلى دائرته الداخلية بهدف “تشديد الأمن”. تزامن ذلك مع حملة تطهير داخل جهاز الاستخبارات وصفوف الجيش، بهدف التخلص من العناصر غير الموالية. لاحقاً، تم توقيع اتفاقيتين بين البلدين منحت كوبا وصولاً واسعاً إلى الجيش الفنزويلي، وحرية في التجسس وإعادة هيكلته. هذه الاتفاقيات أدت إلى إنشاء جهاز استخبارات محلي، “المديرية العامة لمكافحة التجسس العسكري” (DGCIM)، والذي فرض رقابة صارمة على القوات الفنزويلية.

DGCIM: أداة القمع والرقابة بإشراف كوبي

تحت إشراف المستشارين العسكريين الكوبيين، تحولت DGCIM إلى أداة رقابة داخلية واسعة النطاق داخل الثكنات العسكرية. تم زرع عملاء، غالباً بزي عسكري أسود، لجمع معلومات عن “مثيري الشغب” ورصد أي علامات على عدم الولاء. وامتدت عمليات التجسس إلى التنصت على هواتف الضباط، بما في ذلك كبار القادة، مما أدى إلى اعتقال المئات. تشير تقارير الجمعية الوطنية ومنظمة “مراقبة المواطنين” إلى أن ما لا يقل عن 200 إلى 300 مسؤول عسكري لا يزالون رهن الاحتجاز.

التعذيب والانتهاكات: تقارير الأمم المتحدة

لم يقتصر دور DGCIM على الرقابة والاعتقالات، بل شمل أيضاً التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وثقت تقارير الأمم المتحدة ممارسة التعذيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، والخنق، والإيهام بالغرق، والعنف الجنسي، والحرمان من الماء والغذاء. وقد تعرض جنود سابقون، مثل الملازم “دانيال”، للضرب المبرح والاعتقال التعسفي بسبب ارتباطهم بجامعات معارضة.

مادورو يواصل النهج: ترسيخ النفوذ الكوبي

في عهد مادورو، استمر هذا النهج، بل وتعزز. صعد ضباط DGCIM إلى مناصب عليا، بما في ذلك قيادة فريق الحماية الشخصية للرئيس. هذا التطور ساهم في إخضاع القوات المسلحة، على الرغم من الدعوات المتكررة للتمرد العسكري التي لم تجد استجابة كبيرة. فقد أصبحت القوات المسلحة الفنزويلية تعتمد بشكل كبير على الدعم الكوبي، مما قلل من فرص أي تحرك ضد النظام.

الاعتماد المتبادل: النفط مقابل الأمن

إن فهم سبب استمرار الأمن الكوبي في فنزويلا يتطلب النظر إلى العلاقة المعقدة بين البلدين. فقد تحول النفط الفنزويلي إلى شريان حياة للاقتصاد الكوبي، حيث يوفر الطاقة اللازمة لتشغيل قطاعات حيوية. في المقابل، تقدم كوبا خدمات بشرية واسعة النطاق، مثل الأطباء والمدرسين والخبراء، بالإضافة إلى الدعم الأمني. هذا الاعتماد المتبادل جعل بقاء النظام في كراكاس مسألة حيوية بالنسبة لكوبا، والعكس صحيح. حتى مع تراجع الإمدادات النفطية، يظل الدعم الفنزويلي ضرورياً لاستقرار كوبا.

الحرس الشخصي لمادورو: حلقة أمنية كوبية-فنزويلية

قام مادورو بإنشاء “حلقة أولى” من الأمن، وهي الحرس الشرفي الرئاسي، الذي يضم حراساً تم اختيارهم من كل من كوبا وأجهزة الأمن الفنزويلية. وقد شهد هذا الحرس تغييرات في قيادته بعد الانتخابات الرئاسية عام 2014، بهدف تعزيز الأمن الرئاسي في مواجهة الأزمة السياسية. ويعتبر هذا الحرس مثالاً واضحاً على الدمج بين الكفاءات الكوبية والفنزويلية في المجال الأمني.

تداعيات الاعتقال ومستقبل العلاقة

إن اعتقال مادورو، أو حتى التهديد به، يثير تساؤلات حول مستقبل الأمن الكوبي في فنزويلا. فقدان الدعم الفنزويلي قد يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الكوبي، بينما قد يؤدي تغيير النظام في كراكاس إلى إعادة تقييم العلاقة الأمنية بين البلدين. ومع ذلك، فإن الاعتماد المتبادل والتحالف الأيديولوجي القوي قد يضمنان استمرار التعاون الأمني، على الأقل على المدى القصير. يبقى السؤال: هل ستستمر كوبا في لعب دور حاسم في الحفاظ على سلطة أي حكومة فنزويلية مستقبلية؟

في الختام، يمثل الأمن الكوبي في فنزويلا قصة معقدة من التحالفات السياسية، والاعتماد الاقتصادي، والتدخل الأمني. فهم هذه الديناميكيات أمر ضروري لفهم التحديات التي تواجه فنزويلا وكوبا، والتداعيات المحتملة لأي تغيير في الوضع السياسي في البلدين. هل تعتقد أن هذا التعاون الأمني سيستمر في المستقبل؟ شارك برأيك في التعليقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى