وزارة العدل الأميركية تعدل لائحة اتهام مادورو بشأن كارتل “دي لوس سوليس”

في تطور لافت، تراجعت وزارة العدل الأمريكية عن اتهام رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، بقيادة ما يُعرف بـ “كارتل دي لوس سوليس” (Cartel de los Soles)، وهو الادعاء الذي روّجت له إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب بقوة العام الماضي، في محاولة لزعزعة استقرار حكمه. هذا التراجع يثير تساؤلات حول الأساس القانوني والسياسي للاتهامات السابقة، ويضع مصداقية التصنيفات المتعلقة بالإرهاب والمخدرات على المحك.
## تراجع أمريكي عن اتهام مادورو بـ “كارتل دي لوس سوليس”
كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن هذا التغيير في الموقف الأمريكي، مشيرة إلى أن لائحة الاتهام الجديدة الصادرة عن وزارة العدل، بعد القبض على عدد من المقربين من مادورو، تخلت عن الزعم بأن “كارتل دي لوس سوليس” هو منظمة إجرامية مستقلة. الادعاء الأصلي، الذي ورد في لائحة اتهام عام 2020، اتهم مادورو بقيادة هذه الشبكة المتورطة في تهريب المخدرات.
### الأصل في الادعاء: من لائحة اتهام إلى تصنيف إرهابي
بدأت القصة بلائحة اتهام صادرة عن هيئة محلفين كبرى في عام 2020، والتي أعدتها وزارة العدل الأمريكية. لاحقًا، في يوليو 2023، استنادًا إلى اللغة المستخدمة في تلك اللائحة، صنفت وزارة الخزانة الأمريكية “كارتل دي لوس سوليس” كمنظمة إرهابية. وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في عهد ترمب، ماركو روبيو، ضغط على وزارة الخارجية لاتخاذ نفس الخطوة في نوفمبر 2023.
لكن هذا التصنيف لم يخلُ من الشكوك. خبراء في شؤون الجريمة المنظمة والمخدرات في أمريكا اللاتينية أوضحوا أن مصطلح “كارتل دي لوس سوليس” ليس سوى “تعبير دارج” نشأ في وسائل الإعلام الفنزويلية في التسعينيات، ويستخدم لوصف المسؤولين الفاسدين المتورطين في تجارة المخدرات. لم يكن المقصود به بالضرورة منظمة رسمية ذات هيكل قيادي محدد.
## لائحة الاتهام الجديدة: اعتراف ضمني بالتراجع؟
بعد القبض على المتهمين المرتبطين بمادورو، أصدرت وزارة العدل لائحة اتهام جديدة، والتي اعتبرتها صحيفة نيويورك تايمز بمثابة “اعتراف ضمني” بصحة وجهة نظر الخبراء. فقد تخلت اللائحة الجديدة عن الادعاء بأن “كارتل دي لوس سوليس” هو كيان مستقل، وبدلاً من ذلك، وصفت المصطلح بأنه يشير إلى “نظام وثقافة فساد” تغذيها أموال المخدرات.
### التغيير في اللغة: مقارنة بين اللائحتين
تُظهر المقارنة بين اللائحتين مدى التغيير في الموقف الأمريكي. ففي حين ذكرت لائحة الاتهام لعام 2020 مصطلح “كارتل دي لوس سوليس” 32 مرة، ووصف مادورو بأنه زعيمه، فإن اللائحة الجديدة تشير إليه مرتين فقط. وتنص اللائحة الجديدة على أن مادورو، على غرار سلفه هوجو تشافيز، “شارك في هذا النظام القائم على المحسوبية، وأسهم في استدامته وحمايته”.
وتوضح اللائحة أن أرباح تهريب المخدرات وحماية المتورطين تتدفق إلى مسؤولين فاسدين على مختلف المستويات، يعملون ضمن نظام المحسوبية الذي يُعرف بـ “كارتل دي لوس سوليس” أو “كارتل الشمس”، في إشارة إلى شارات الشمس التي يرتديها كبار الضباط العسكريين الفنزويليين.
## تساؤلات حول مشروعية التصنيف الإرهابي
يثير هذا التراجع تساؤلات جدية حول مشروعية تصنيف إدارة ترمب لـ “كارتل دي لوس سوليس” كمنظمة إرهابية أجنبية. لم يصدر أي تعليق رسمي من البيت الأبيض أو وزارات العدل والخارجية والخزانة حتى الآن.
### آراء الخبراء: تصحيح للواقع أم مجرد تغيير في الصياغة؟
إليزابيث ديكنسون، نائبة مدير برنامج أمريكا اللاتينية في “مجموعة الأزمات الدولية”، اعتبرت أن تصوير “كارتل دي لوس سوليس” في لائحة الاتهام الجديدة “دقيق تمامًا ويعكس الواقع”، على عكس النسخة التي صدرت في عام 2020. وأضافت أن التصنيفات السابقة “بعيدة عن الواقع”، لأنها لا تتطلب إثباتًا قضائيًا.
ومع ذلك، عاد ماركو روبيو للتأكيد على أن “كارتل دي لوس سوليس” هو كارتل حقيقي في مقابلة مع NBC NEWS، بعد الكشف عن لائحة الاتهام المعدلة.
### غياب “كارتل دي لوس سوليس” في تقارير رسمية
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح “كارتل دي لوس سوليس” لم يرد مطلقًا في التقييم السنوي لتهديدات المخدرات الوطنية الصادر عن إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، أو في “التقرير العالمي عن المخدرات” السنوي الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
## اتهامات إضافية وتفاصيل مثيرة للجدل
بالإضافة إلى التراجع عن وصف “كارتل دي لوس سوليس” كمنظمة مستقلة، أضافت لائحة الاتهام الجديدة متهمًا آخر، وهو زعيم عصابة سجون فنزويلية تُعرف باسم “ترين دي أراجوا”. لكن الصلة بين هذا المتهم ومادورو تبدو ضعيفة، حيث تقتصر على عرض خدمات مرافقة لحماية شحنات المخدرات في مكالمات هاتفية عام 2019.
يذكر أن إدارة ترمب كانت قد اتهمت مادورو بتوجيه أنشطة “ترين دي أراجوا”، وهو ما يتعارض مع تقييمات مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
في الختام، يمثل التراجع الأمريكي عن اتهام مادورو بـ “كارتل دي لوس سوليس” تطورًا هامًا في هذه القضية المعقدة. يثير هذا التغيير تساؤلات حول الدوافع السياسية وراء الاتهامات السابقة، ويؤكد على أهمية التحقق من المعلومات والاعتماد على مصادر موثوقة في تقييم التهديدات الإجرامية والإرهابية. من المهم متابعة التطورات في هذه القضية، وتحليل الآثار المترتبة على العلاقات الأمريكية الفنزويلية.












