“لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم”… كيف دفعت واشنطن “قسد” إلى أحضان دمشق في أسبوعين؟

بعد جولة مفاوضات مكثفة شهدتها دمشق بمواكبة أمريكية، أُعلن يوم الجمعة 30 يناير عن “اتفاق شامل” بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية. هذا الاتفاق، الذي يمثل خطة تنفيذية لاتفاق 18 يناير، يهدف إلى تثبيت وقف النار وتحقيق “دمج متسلسل” لقوات قسد و”الإدارة الذاتية” في هياكل الدولة السورية. يمثل هذا التطور نقطة تحول محتملة في المشهد السوري المعقد، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الأكراد في سوريا والعلاقات بين مختلف الأطراف الفاعلة.
تفاصيل الاتفاق الشامل بين قسد والحكومة السورية
الاتفاق الذي تم الإعلان عنه يشمل عدة بنود رئيسية، تتراوح بين الجوانب الأمنية والإدارية والعسكرية. أبرز هذه البنود هي دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لضمان انتشار الشرطة المحلية، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قسد ولواء إضافي في عين العرب (كوباني) لحلب، بالإضافة إلى انسحاب القوات العسكرية من “نقاط التماس”.
وبحسب نص الاتفاق الذي وقع في 27 يناير، فإن اليوم الأول (الاثنين) يشهد دخول 15 سيارة أمن لكل من الحسكة والقامشلي. وفي اليوم التالي، سيتم استلام حقلي الرميلان والسويدية للنفط مع دمج الموظفين بوزارة الطاقة. أما اليوم الثالث، فسيشهد تسليم مطار القامشلي، الذي انسحبت منه القوات الروسية، إلى هيئة الطيران المدني، وإرسال فريق من هيئة المنافذ الحدودية إلى معبر سيمalka.
مراحل تنفيذ الاتفاق ودمج قسد في الدولة السورية
بعد هذه الخطوات الأولية، سيتم الانسحاب العسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكنات متفق عليها، مع انسحاب الجيش إلى الشدادي بعد انتهاء عملية إخلاء عناصر تنظيم “داعش”. بعد ذلك، تنطلق عملية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة وتثبيت الموظفين، ثم البدء بتشكيل فرقة عسكرية بثلاثة ألوية للحسكة ولواء في عين العرب (كوباني).
وحسب مسؤول كردي، فإن هذا يعني إعادة هيكلة وتشكيل ثلاثة ألوية لتصبح فرقة تضم نحو 16 ألف مقاتل من مقاتلي “وحدات حماية الشعب” الكردية الذين كانوا ضمن قسد، وتشكيل لواء من نحو 6 آلاف مقاتل في عين العرب (كوباني). هذا الدمج يمثل تحديًا كبيرًا، ويتطلب تنسيقًا دقيقًا بين مختلف الأطراف لضمان سلاسة العملية وتجنب أي احتكاكات.
المناصب الرئيسية وحقوق المجتمع الكردي
يشمل الاتفاق أيضًا تعيين المناصب الرئيسية مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونائب مدير الأمن للحسكة، حيث تقوم قسد بترشيح الأسماء وتقوم دمشق بالموافقة عليها. وقد عينت دمشق بالفعل مروان العلي (مدير الأمن الجنائي سابقًا) مديرًا للأمن في الحسكة.
ويولي الاتفاق أهمية خاصة لتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، والعمل على ترجمة المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير بشأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة. هذا البعد يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز الوحدة الوطنية في سوريا.
الدور الأمريكي والتحولات الإقليمية
رحب المبعوث الأمريكي توم باراك بالاتفاق، واعتبره “محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا”. ويأتي هذا الاتفاق في سياق تحولات إقليمية ودولية، بما في ذلك لقاء الرئيس الشرع بالرئيس ترمب في البيت الأبيض وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”. هذه التطورات ساهمت في تغيير ميزان القوى في المنطقة، وفتحت الباب أمام حوار جديد بين مختلف الأطراف.
من “المشاركة” إلى التفاصيل المحلية: تحول في أهداف قسد
خلال أقل من أسبوعين في شهر يناير، انتقلت المفاوضات من التركيز على “الإدارة الذاتية” إلى ترتيبات محلية، ومن تعديلات الدستور السوري إلى حقوق الأكراد في مناطق محددة. هذا التحول يعكس تغيرًا في مطالب وأهداف قسد، حيث انتقلت من السعي إلى “المشاركة” في صوغ مستقبل سوريا إلى البحث في مستقبل الحسكة والقامشلي.
خلفية المفاوضات: اتفاق 10 مارس و”شراء الوقت”
الاتفاق الحالي يحل محل مسودات مقترحات سابقة لتشكيل ثلاث فرق ولواءين مستقلين من قسد ولامركزية لـ”الإدارة الذاتية”. ويأتي بعد توقيع اتفاق 10 مارس الماضي، الذي يهدف إلى دمج مؤسسات قسد في الدولة السورية. لكن هذا الاتفاق السابق واجه صعوبات في التنفيذ، مما أدى إلى سلسلة من اللقاءات العلنية والسرية لتطبيق الاتفاق. العديد من المراقبين يرون أن هذه الفترة كانت بمثابة “شراء للوقت” من قبل الحكومة السورية لتعزيز موقفها التفاوضي.
مستقبل الاتفاق: تحديات وفرص
الاتفاق الشامل بين قسد والحكومة السورية يمثل فرصة تاريخية لتحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا، ودمج الأكراد في الدولة السورية. لكن نجاح هذا الاتفاق يعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنوده، ومعالجة المخاوف الأمنية، وضمان حقوق المجتمع الكردي. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الاتفاق سيصمد أمام التحديات، ويفتح الباب أمام مستقبل أفضل لسوريا وشعبها.











