طهران “جريحة لكنها خطرة”.. سيناريوهات رد إيران على الهجوم الأميركي المحتمل

على مدى نصف قرن تقريباً، جهزت إيران نفسها لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة. ونظراً للفارق الكبير في القوة العسكرية بين البلدين، ركزت طهران على تطوير استراتيجيات تهدف إلى إلحاق خسائر فادحة قد تهز الاستقرار في الشرق الأوسط وتؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي، كما أشارت شبكة CNN. مع تصاعد التوترات الأخيرة، ووصول مجموعة حاملات طائرات أمريكية إلى المنطقة، وتصريحات الرئيس الأمريكي بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، تتزايد المخاوف من اندلاع صراع أوسع نطاقاً. هذا المقال يستعرض الخيارات المتاحة لإيران في حال تعرضها لهجوم، وكيف يمكنها الرد على أي تصعيد محتمل.
استعدادات إيران لمواجهة محتملة مع الولايات المتحدة
على الرغم من الخسائر التي تكبدها النظام الإيراني نتيجة الضربات الإسرائيلية والأمريكية في الأشهر الأخيرة، بالإضافة إلى التحديات الداخلية المتزايدة، يرى الخبراء أن إيران لا تزال تمتلك ترسانة من الخيارات للرد. تشمل هذه الخيارات استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وتفعيل شبكة حلفائها الإقليمية، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي التي قد تتسبب في اضطرابات عالمية واسعة النطاق. طبيعة وحجم الرد الإيراني سيعتمدان بشكل كبير على تقييم طهران لمستوى التهديد، وما إذا كانت تعتبره تصعيداً محدوداً أم تهديداً وجودياً مباشراً.
فرزين نديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن والمتخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية الإيرانية، يؤكد أن إيران تمتلك قدرات هائلة يمكنها استخدامها إذا رأت أن الحرب تمثل مسألة وجودية. وإذا اعتبرت الحرب حاسمة، فقد تسخر كل ما لديها من موارد وقدرات.
ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية
تعتبر الصواريخ والطائرات المسيّرة من أهم الأصول العسكرية لإيران. يُعتقد أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة القادرة على استهداف القوات الأمريكية المتمركزة في دول مختلفة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إسرائيل. وقد هددت إيران بالفعل بضرب هذه القوات في حال تعرضها لأي هجوم.
في يونيو الماضي، ردت إيران على الهجوم الإسرائيلي بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على إسرائيل، متجاوزةً أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة. المسؤولون الإيرانيون يؤكدون أن المخزونات المستخدمة في تلك الحرب قد تم تجديدها، بينما يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن هذه الأسلحة، بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة الروسية والأمريكية القديمة، لا تزال تشكل تهديداً كبيراً.
الطائرة الانتحارية الإيرانية “شاهد” أثبتت فعاليتها في الحرب الروسية الأوكرانية، مما يعزز من قدرة إيران على شن هجمات دقيقة وفعالة. كما طورت إيران واختبرت أكثر من 20 نوعاً من الصواريخ الباليستية، بما في ذلك أنظمة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة في جنوب أوروبا.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صرح مؤخراً بأن هناك ما بين 30 و40 ألف جندي أمريكي متمركزين في المنطقة، وجميعهم في مرمى آلاف الطائرات الإيرانية المسيّرة والصواريخ الباليستية قصيرة المدى. المسؤولون الأمريكيون يؤكدون أن القدرات العسكرية الإيرانية، على الرغم من أنها أقل عدداً وأقدم من الأنظمة الأمريكية الحديثة، تجعل توجيه ضربة حاسمة على إيران أمراً صعباً للغاية.
حشد الحلفاء الإقليميين
إيران تعتمد أيضاً على شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين لتعزيز قدراتها الدفاعية والردعية. على الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة قد نجحتا في تقليص نفوذ إيران في المنطقة خلال العامين الماضيين، إلا أن هؤلاء الحلفاء تعهدوا بالدفاع عن إيران في حال تعرضها لهجوم.
جماعات عراقية مسلحة مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”، بالإضافة إلى “حزب الله” اللبناني، أعلنت استعدادها للتحرك للدفاع عن إيران. أبو حسين الحميداوي، قائد “كتائب حزب الله”، دعا الموالين لإيران في جميع أنحاء العالم إلى الاستعداد لحرب شاملة دعماً للجمهورية الإسلامية.
ومع ذلك، يواجه وكلاء إيران بعض القيود. “حزب الله” في لبنان، على سبيل المثال، ضعف بشكل ملحوظ بعد الصراع مع إسرائيل، ويواجه حملة نزع سلاح داخلية. وفي العراق، تواجه الميليشيات المدعومة من إيران قيوداً من الحكومة المركزية التي تتعرض لضغوط أمريكية متزايدة لكبح النفوذ الإيراني.
الحوثيون في اليمن، على الرغم من استهدافهم من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، لا يزالون من أقوى حلفاء إيران، وأشاروا إلى استعدادهم للدفاع عن طهران.
الحرب الاقتصادية: سلاح ذو حدين
تدرك إيران أن الحرب لا تقتصر على المجال العسكري، وأنها يمكن أن تلحق ضرراً اقتصادياً كبيراً بالعالم. تمتلك إيران نفوذاً قوياً من خلال قدرتها على تعطيل أسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة وأنها تقع على مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من خُمس نفط العالم.
تهدد إيران بإغلاق مضيق هرمز في حال تعرضها لهجوم، وهو احتمال يحذر الخبراء من أنه قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود بشكل حاد وانكماش اقتصادي عالمي. استهداف الاقتصاد العالمي عبر المضيق قد يكون أحد أكثر الخيارات فعالية لإيران، ولكنه في الوقت نفسه الأكثر خطورة نظراً لتأثيره الواسع النطاق.
عماد شكري، خبير استراتيجيات الطاقة، يؤكد أن إغلاق المضيق لفترة طويلة سيمثل سيناريو خطيراً، حتى الانقطاعات الجزئية قد تؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار وتعطيل سلاسل التوريد.
إيران تمتلك قواعد بحرية عميقة تحت الأرض على امتداد سواحلها، وعشرات الزوارق الهجومية السريعة الجاهزة للانتشار في مياه الخليج العربي. كما أمضى الجيش الإيراني عقوداً في بناء أسطوله الخاص من السفن والغواصات.
نائب الأدميرال المتقاعد روبرت هاروارد يؤكد أن القدرات البحرية لإيران ووكلائها تمثل تحدياً للملاحة في مضيق هرمز، لكنه يشير إلى أن الأدوات “غير المتكافئة”، مثل الألغام والطائرات المسيرة، قد تشكل تحدياً أكبر.
الخلاصة: سيناريوهات محتملة وتداعيات عالمية
الوضع الحالي يتسم بالتوتر الشديد، واحتمال اندلاع صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة يزداد يوماً بعد يوم. إيران تمتلك مجموعة متنوعة من الخيارات للرد على أي هجوم، بدءاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، مروراً بتفعيل شبكة حلفائها الإقليميين، وصولاً إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي.
قد لا تبدأ الحرب القادمة في وسط طهران، بل في مضيق هرمز، كما يؤكد نديمي. من الضروري فهم هذه الديناميكيات المعقدة لتقييم المخاطر المحتملة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب تصعيد غير ضروري. الوضع الأمني في الشرق الأوسط يتطلب حواراً دبلوماسياً مكثفاً وجهوداً مشتركة لتهدئة التوترات وإيجاد حلول سلمية. الرد الإيراني المحتمل سيكون حاسماً في تحديد مسار الأحداث، والتوترات الإيرانية الأمريكية تتطلب متابعة دقيقة وتحليلاً معمقاً.












