“الدكتور باهوز” وقادة “العمال الكردستاني” يغادرون سوريا

يجري بهدوء ودون إعلان تنفيذ أكثر البنود حساسية في الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو إخراج المقاتلين والقادة الأجانب من “حزب العمال الكردستاني”، والمطلوبين لدى السلطات التركية إلى خارج الأراضي السورية. هذا التطور يمثل نقطة تحول حاسمة في المشهد السوري المعقد، ويفتح الباب أمام إعادة تنظيم العلاقة بين الأطراف المتنازعة، مع التركيز على تحقيق الاستقرار الإقليمي.
تنفيذ بنود الاتفاق: خروج قيادات حزب العمال الكردستاني من سوريا
في الأيام الأخيرة، شهدت حركة خروج ملحوظة لعدد كبير من المقاتلين والقادة الأجانب المرتبطين بـ “حزب العمال الكردستاني” من الأراضي السورية. هؤلاء المقاتلون، الذين كانوا قد قاموا بتجهيز شبكة من الأنفاق على الحدود السورية–العراقية–التركية على مدى سنوات، بدأوا في مغادرة المنطقة. من بين أبرز الأسماء التي غادرت، “الدكتور باهوز أردال”، الاسم الحركي لفهمان حسين، وهو قيادي بارز في الجناح العسكري لـ “حزب العمال الكردستاني” ولعب دوراً محورياً في تأسيس “وحدات حماية الشعب” الكردية، العمود الفقري لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
المفاوضات السرية والاتفاقيات الحاسمة
لم يكن هذا الخروج مفاجئاً، بل هو تتويج لمفاوضات سرية بدأت بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. حيث جرت محادثات بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، تضمنت بنداً رئيسياً يقضي بخروج قادة “حزب العمال الكردستاني” من سوريا. كما لعبت تركيا دوراً في هذه المفاوضات، حيث قدمت طلباً إلى دمشق بتسليم المطلوبين لديها.
هناك رابط واضح بين المسار السلمي الذي تسعى إليه تركيا مع زعيم “العمال الكردستاني” عبدالله أوجلان المسجون في تركيا، وبين مسار المفاوضات بين دمشق و”قسد”. اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي لم يذكر ملف “الكردستاني” بشكل صريح، لكن الوثيقة التي وقعت بينهما في 18 يناير الماضي نصت بوضوح على “التزام (قسد) بإخراج كل قيادات وعناصر (حزب العمال الكردستاني) غير السوريين خارج حدود الجمهورية العربية السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار”.
الضغوط الإقليمية والدولية على قسد
في الأيام الأخيرة، تلقى مظلوم عبدي رسائل واضحة من قادة ومسؤولين، تحثه على الابتعاد عن “العمال الكردستاني” وتولي زمام الأمور بنفسه، وأن يكون “مصدر قراراته سوريا وليس جبال قنديل”. هذه الرسائل تعكس ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة على “قسد” لإعادة تعريف دورها وعلاقاتها.
خلال الوساطة التي قام بها الزعيم مسعود بارزاني، والتي شملت لقاءات واتصالات مع الشرع وعبدي والمبعوث الأميركي توم باراك وتركيا، أثارت حكومة إقليم كردستان مع عبدي موضوع إخراج قادة “العمال الكردستاني” وقطع الصلة معهم. كما تم التطرق إلى تكتلين تابعين للحزب وهما “القوة الصلبة” و”شباب الثورة”، اللذين يقدر عدد المنتمين إليهما بالآلاف، بينهم نحو ألف شخص من غير السوريين.
منع دخول السلاح وتفعيل المعابر الحدودية
لم يتضمن نص الاتفاق المعلن في 30 يناير بنداً مباشراً حول إخراج “العمال الكردستاني”، لكن البند الثامن نص على “إرسال فريق من هيئة المنافذ البرية إلى معبر سيملكا ومعبر نصيبين، لتثبيت الموظفين المدنيين ومنع استخدام المعابر لإدخال الأسلحة والأجانب من خارج الحدود، وتفعيل المعابر فوراً”. هذا البند فُسر على أنه منع دخول أجانب و”العمال الكردستاني” عبر القنوات الرسمية أو عن طريق التهريب.
بدأ تطبيق اتفاق 30 يناير الاثنين، وشمل تعيين نور الدين عيسى محافظاً للحسكة، وجيا كوباني معاوناً لوزير الدفاع، بترشيح من “قسد” وموافقة من دمشق. كما عينت دمشق مديراً للأمن في الحسكة، على أن يتم تعيين نائبه من قبل “قسد”. بالإضافة إلى ذلك، استعادت دمشق السيطرة على حقلي النفط في الرميلان والسويدية ومطار القامشلي، ونشرت عناصرها للإشراف على بدء عمل قوات الشرطة (أسايش) التابعة لـ “قسد” في الحسكة والقامشلي تحت “إدارة مشتركة”.
مستقبل دمج قسد في الجيش السوري
يجري العمل على تنفيذ بنود أخرى في اتفاق 30 يناير، بما في ذلك تسليم آبار النفط والغاز والمواقع الاستراتيجية، ودمج الموظفين، ودمج “قسد” في الجيش السوري. هذا الدمج يمثل تحدياً كبيراً، حيث قام وفد من وزارة الدفاع بزيارة الحسكة لبدء اتخاذ الخطوات العملية.
وفقاً لمسودة اتفاق 4 يناير، كان من المقرر أن تحتفظ “قسد” بثلاث فرق ولواءين، لكن اتفاق 30 يناير نص على احتفاظ “قسد” بفرقة باسم “فرقة الجزيرة”، وثلاثة ألوية في الحسكة، ولواء في عين العرب (كوباني). هذا التعديل يعكس توازناً دقيقاً بين مصالح الأطراف المختلفة.
اتجاهات متباينة داخل قسد
تظهر اتجاهات متباينة داخل “قسد” حول مستقبلها. هناك تيار يسعى إلى الاندماج والانتقال من العمل العسكري إلى السياسي، من خلال الحوار مع الحكومة السورية والمشاركة في المناصب الحكومية. ويرى هذا التيار أن هذا هو السبيل لتحسين وضع الأكراد وحقوقهم ضمن الدستور السوري.
في المقابل، هناك تيار آخر يسعى إلى كسب الوقت خلال تنفيذ اتفاق 30 يناير، بانتظار تغيير الموازين الخارجية للدفع باتجاه تكريس “الجيب الكردي” في الزاوية السورية-العراقية-التركية. هذا التناقض يعكس تعقيد المشهد السياسي في سوريا.
الخلاصة:
إن تنفيذ بنود الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، وخاصة إخراج قيادات “حزب العمال الكردستاني”، يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار في سوريا. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه عملية الدمج السياسي والعسكري لـ “قسد” في الدولة السورية. مستقبل سوريا يعتمد على قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى حلول توافقية تلبي مصالح الجميع، وتحافظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها. الوضع في سوريا يتطلب متابعة دقيقة وتحليل مستمر لفهم التطورات المتسارعة. قسد والجيش السوري سيشكلان معاً قوة مشتركة في المستقبل القريب. المفاوضات السورية مستمرة لتحقيق الاستقرار الدائم.












