الرئيس الألماني: أميركا تدمر النظام العالمي

في خضم التطورات الجيوسياسية المتسارعة، أطلق الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انتقادات حادة للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، محذراً من خطر انزلاق النظام العالمي إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. هذه التصريحات، التي جاءت بشكل مفاجئ وصريح، تعكس قلقاً متزايداً في ألمانيا وأوروبا بشأن مستقبل النظام الدولي القائم على القواعد، وتحديداً دور الولايات المتحدة فيه. وتعتبر هذه الانتقادات بمثابة دعوة للعمل من أجل الحفاظ على الديمقراطية العالمية ومنع تحول العالم إلى ما وصفه بـ “وكر للصوص”. السياسة الخارجية الأمريكية كانت محور هذه الانتقادات اللاذعة.
انتقادات شتاينماير اللاذعة للسياسة الخارجية الأمريكية
لم يتردد الرئيس شتاينماير، الذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال السياسة الخارجية بصفته وزير خارجية سابقاً، في التعبير عن خيبة أمله من بعض الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية السابقة. فقد أشار بشكل ضمني إلى تدخلات الولايات المتحدة في شؤون دول أخرى، مثل محاولات الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واصفاً إياها بأنها تمثل خروجاً عن المبادئ التي قامت عليها الديمقراطية العالمية.
تدهور الديمقراطية العالمية
أكد شتاينماير أن الديمقراطية العالمية تواجه حالياً هجوماً لم يسبق له مثيل. هذا الهجوم لا يأتي فقط من القوى الاستبدادية الصاعدة، بل أيضاً من داخل النظام الليبرالي نفسه، وتحديداً من خلال السياسات التي تتبناها بعض الدول الكبرى. ويرى أن هذا التراجع في الديمقراطية يهدد الاستقرار العالمي ويفتح الباب أمام صراعات جديدة.
نقطة التحول: القرم وأوكرانيا
اعتبر الرئيس الألماني أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 والغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022 يشكلان نقطة تحول حاسمة في النظام الدولي. هذه الأحداث، بحسب شتاينماير، كشفت عن هشاشة القواعد الدولية وعدم قدرة المجتمع الدولي على منع العدوان. العلاقات الدولية شهدت تغييرات جذرية نتيجة لهذه الأحداث.
“وكر للصوص”: تحذير من الفوضى العالمية
العبارة الأكثر إثارة للجدل في خطاب شتاينماير كانت وصفه للعالم المحتمل في حال استمرار هذا التدهور بـ “وكر للصوص”. هذا الوصف القاسي يعكس قلقه العميق من أن يصبح العالم مكاناً تسود فيه القوة الغاشمة وأن يتم فيه استغلال الضعفاء دون أي اعتبار للقانون أو الأخلاق.
وأضاف شتاينماير: “الأمر يتعلق بمنع العالم من الانحدار والتحول إلى وكر للصوص، حيث يأخذ فيه الأكثر انعداماً للضمير كل ما يريدون، وحيث يتم التعامل مع مناطق أو دول بأكملها على أنها ملك لقلة من القوى العظمى”. هذا التحذير يوجه رسالة واضحة إلى القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، بضرورة تحمل مسؤولياتها تجاه الحفاظ على النظام الدولي.
دور الولايات المتحدة والانهيار القيم
أشار شتاينماير إلى أن “انهيار القيم من شريكنا الأهم، الولايات المتحدة، التي ساعدت في بناء هذا النظام العالمي” يمثل صدعاً تاريخياً ثانياً. هذا التصريح يعني أن الولايات المتحدة، التي طالما لعبت دوراً رائداً في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، قد تخلت عن بعض هذه المبادئ في عهد ترمب، مما أضعف النظام العالمي. السيادة الوطنية أصبحت في بعض الأحيان ذريعة لتقويض التعاون الدولي.
أهمية تصريحات الرئيس الألماني
على الرغم من أن دور الرئيس الألماني يعتبر إلى حد كبير شرفياً، إلا أن تصريحاته تحمل أهمية خاصة لعدة أسباب. أولاً، يتمتع شتاينماير بمصداقية عالية وخبرة واسعة في مجال السياسة الخارجية. ثانياً، يتمتع بحرية أكبر في التعبير عن آرائه مقارنة بالسياسيين الآخرين الذين يخضعون لقيود سياسية وحزبية. ثالثاً، تعكس تصريحاته قلقاً متزايداً في ألمانيا وأوروبا بشأن مستقبل النظام الدولي.
نحو نظام عالمي أكثر استقراراً وعدلاً
في الختام، يمكن القول إن تصريحات الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير تمثل صرخة تحذير من خطر انزلاق النظام العالمي إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. إنها دعوة إلى التفكير الجاد في مستقبل التعاون الدولي وإلى العمل من أجل بناء نظام عالمي أكثر استقراراً وعدلاً، يحترم القواعد الدولية ويحمي حقوق جميع الدول والشعوب. من الضروري الآن أن يستمع المجتمع الدولي إلى هذا التحذير وأن يتخذ الإجراءات اللازمة لتجنب السيناريو الكارثي الذي حذر منه الرئيس الألماني. ما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها لتعزيز الديمقراطية العالمية ومنع تحول العالم إلى “وكر للصوص”؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل بالنا جميعاً.












