مع تصاعد تهديدات ترمب.. “مؤشر البيتزا” يسجل ارتفاعاً قياسياً في واشنطن

في الساعات الأولى من يوم 3 يناير الجاري، أثار ارتفاع ملحوظ في طلبات البيتزا حول مبنى البنتاجون فضولًا واسعًا، بالتزامن مع التوترات المتصاعدة والأخبار عن استعدادات أمريكية محتملة في فنزويلا. هذا الارتفاع المفاجئ أعاد إلى الأذهان ما يُعرف بـ “مؤشر البيتزا”، وهو ظاهرة غريبة لكنها دقيقة بشكل مدهش في توقع الأحداث السياسية والعسكرية الكبرى. هذا المقال يستكشف تاريخ هذا المؤشر، وكيف يعمل، وما إذا كان لا يزال أداة تنبؤية قيمة في العصر الحديث، مع التركيز على أزمة فنزويلا الأخيرة.
ما هو “مؤشر البيتزا”؟
“مؤشر البيتزا” ليس أداة رسمية تستخدمها الحكومة الأمريكية، بل هو ملاحظة طريفة تحولت إلى نظرية مقنعة. بدأ كل شيء في أوائل التسعينيات عندما لاحظ فرانك ميكس، صاحب امتياز سلسلة “دومينوز بيتزا” في واشنطن العاصمة، نمطًا واضحًا: قبل وأثناء الأحداث السياسية والعسكرية الهامة، ترتفع طلبات البيتزا بشكل كبير في المناطق القريبة من المؤسسات الحكومية الحساسة. وذكر ميكس ذات مرة أن “طلبات البيتزا أدق من الأخبار في قياس المناخ السياسي في واشنطن”.
ببساطة، يعتمد هذا المؤشر على فكرة أن الموظفين في وزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات المركزية، والبيت الأبيض، وغيرهم من العاملين في الحكومة، يعملون لساعات طويلة في حالات الطوارئ أو خلال التخطيط لعمليات معقدة. في هذه الظروف، تصبح البيتزا خيارًا سريعًا وسهلًا ومريحًا للوجبات، خاصة عند العمل في وقت متأخر من الليل.
تاريخ “مؤشر البيتزا” ودقته المذهلة
على مر السنين، أثبت “مؤشر البيتزا” دقته بشكل ملحوظ في عدد من الحالات. قبل غزو العراق للكويت في عام 1990، ارتفعت طلبات البيتزا في وكالة الاستخبارات المركزية بأكثر من أربعة أضعاف. وفي ليلة انطلاق حرب الخليج الثانية في عام 1991، شهد البيت الأبيض ارتفاعًا في الطلبات بمقدار ستة أضعاف، بينما زادت في البنتاجون بأكثر من عشرة أضعاف.
لم تقتصر هذه الظاهرة على العمليات العسكرية فقط. فخلال محاولة الانقلاب في الاتحاد السوفيتي عام 1991، وحتى خلال فترة محاولة عزل الرئيس بيل كلينتون في عام 1998، ظلت محلات البيتزا قريبة من البيت الأبيض والكونجرس مفتوحة طوال الليل، وتشهد إقبالاً كبيرًا. حتى التهديدات الجوية المحتملة على إيران في يونيو الماضي أدت إلى زيادة ملحوظة في الطلبات. هذه الأمثلة تشير إلى أن تحليل الطلبات الغذائية يمكن أن يقدم لمحة عن الأنشطة السرية والتوتّرات المتصاعدة داخل الأروقة الحكومية.
أزمة فنزويلا وارتفاع الطلبات: هل تعود الظاهرة؟
في الآونة الأخيرة، شهدنا تجديد الاهتمام بهذه النظرية مع الأحداث المتصاعدة في فنزويلا. ففي الليلة التي سبقت الإعلان عن عملية محتملة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ارتفعت طلبات البيتزا في محيط البنتاجون بنسبة مذهلة، تصل إلى 700%. وزاد هذا الارتفاع بشكل كبير ليصل إلى 1250% مع عودة الرئيس الأمريكي إلى البيت الأبيض وتصريحاته الحادة تجاه دول مثل كولومبيا والمكسيك وإيران.
هذا الارتفاع في الطلبات يثير تساؤلات حول مدى فعالية “مؤشر البيتزا” في العصر الحديث، خاصة مع محاولات الحكومة الأمريكية للتخفيف من هذه الإشارات. فقد حاولت الحكومة في الماضي توزيع أوقات الطلبات أو توفير وجبات جاهزة للموظفين لمنع تسرب المعلومات. وقد أدى ذلك بالفعل إلى انخفاض في التقلبات الملحوظة في الطلبات خلال بعض العمليات، مثل عملية اغتيال أسامة بن لادن عام 2011.
تحديات “مؤشر البيتزا” في العصر الرقمي
مع انتشار خدمات توصيل الطعام المتنوعة، وتوفر خيارات صحية أخرى، قد يكون “مؤشر البيتزا” أقل دقة مما كان عليه في الماضي. ومع ذلك، تظهر أزمات مثل أزمة فنزويلا أن العمليات واسعة النطاق التي تتطلب مشاركة مئات الموظفين، لا تزال تؤدي إلى ارتفاع جماعي في طلبات البيتزا لتلبية الاحتياجات الغذائية. واضح أن الراحة والسرعة اللتان توفرهما البيتزا تجعلها خيارًا جذابًا للغاية للموظفين المرهقين الذين يعملون لساعات طويلة وخارج أوقات العمل.
“مؤشر البيتزا” والمراقبة الاستخباراتية: قصة الحرب الباردة
الأمر لا يتعلق فقط بالطلبات المتزايدة، بل أيضًا بما اكتشفته الاستخبارات خلال الحرب الباردة. بشكل مثير للدهشة، كانت أجهزة الاستخبارات السوفيتية تراقب تحركات سائقي توصيل البيتزا في بعض مناطق واشنطن، معتبرة إياها وسيلة لقياس مستوى التأهب والاستجابة الأمريكية. كانت هذه المراقبة تعتبر مؤشرًا على حجم النشاط داخل المؤسسات الحكومية الأمريكية، وبالتالي، على مدى جدية التهديد المحتمل.
هل سيظل “مؤشر البيتزا” صالحاً حتى عام 2026؟
على الرغم من التحديات التي تواجهه، يظل “مؤشر البيتزا” ظاهرة مثيرة للاهتمام. تشير البيانات الحديثة إلى أنه لا يزال يوفر إشارات مفيدة، خاصة في الحالات التي تتطلب مشاركة عدد كبير من الموظفين في العمليات السرية. وبالنظر إلى التوترات الجيوسياسية المستمرة واحتمال حدوث أزمات جديدة، فمن المحتمل أن يستمر هذا المؤشر في إثارة فضول المحللين السياسيين ومراقبي الأحداث حتى عام 2026 وما بعده.
في الختام، “مؤشر البيتزا” هو أكثر من مجرد قصة طريفة. إنه مثال فريد على كيف يمكن حتى أبسط الأشياء – مثل طلبات الطعام – أن تكشف عن معلومات قيمة حول الأحداث السياسية والعسكرية الكبرى. وبينما قد تتغير الظروف والأدوات المتاحة، فإن هذا المؤشر يظل تذكيرًا بأن المراقبة والتحليل يمكن أن يأتيان من مصادر غير متوقعة. هل تتفق مع فعالية هذا المؤشر؟ شارك برأيك في التعليقات أدناه!












