ماكرون يعلن إرسال قوات فرنسية إلى جرينلاند ويحذر من تهديد صواريخ روسيا لأوروبا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، عن تعزيز الوجود العسكري الفرنسي في جزيرة جرينلاند، في خطوة تأتي في سياق تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغيرات في المشهد الأمني العالمي. هذا القرار، الذي يتضمن دعم الجنود الفرنسيين المنتشرين بمعدات برية وجوية وبحرية، يعكس قلقاً متزايداً في باريس بشأن التهديدات العسكرية المباشرة التي تواجه أوروبا، خاصةً في ظل تعزيز القدرات الصاروخية الروسية. يهدف هذا التحرك إلى تأكيد التزام فرنسا بأمنها القومي وأمن حلفائها، وتعزيز القدرة الأوروبية على الردع في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة.
تعزيز الوجود العسكري الفرنسي في جرينلاند: رد على التهديدات المتصاعدة
أكد الرئيس ماكرون، خلال خطاب ألقاه أمام القوات المسلحة في قاعدة إيستر الجوية، أن نحو 15 جندياً فرنسياً موجودون بالفعل في العاصمة نوك، وسيتم تعزيز هذه القوة خلال الأيام المقبلة بقوات إضافية وقدرات عسكرية متعددة. هذا الإعلان يأتي في إطار مشاركة فرنسا في مهمة عسكرية أوروبية أطلقت مؤخراً في جرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي، ضمن تمرين “صمود القطب الشمالي” Arctic Endurance الذي يُنظَّم بالتعاون مع حلف شمال الأطلسي.
تشارك في هذه المهمة، إلى جانب فرنسا، كل من السويد وألمانيا والنرويج، من خلال نشر وحدات عسكرية مكلّفة بمهام استطلاع وتقييم ميداني في بيئة قطبية شديدة الحساسية. هذا التعاون العسكري الأوروبي يعكس رغبة مشتركة في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة القطبية الشمالية، التي تشهد اهتماماً متزايداً من القوى الكبرى.
صواريخ روسيا والرسالة الواضحة
أشار الرئيس الفرنسي إلى أن إطلاق روسيا مؤخراً صاروخ “أوريشنيك” العابر للقارات يمثل رسالة واضحة من دولة تمتلك السلاح النووي، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تطوير قدرات هجومية تقليدية بعيدة المدى. واعتبر ماكرون أن تجاهل هذا الواقع لم يعد ممكناً، مؤكداً أن “الرسالة واضحة، ولكل من يعتقد أن روسيا مسألة لا تعنينا، يجب أن تُفهم الرسالة تماماً: نحن في مدى هذه الضربات”.
وأضاف أن الحفاظ على مصداقية أوروبا يفرض عليها، ولا سيما فرنسا التي تمتلك بعض التقنيات المتقدمة، الاستثمار في الأسلحة الجديدة التي ستغير موازين القوى على المدى القريب. وشدد على ضرورة التقدم بقوة في قدرات الضرب في العمق البعيد جداً، وهي قدرات تعزز مصداقية الردع النووي الأوروبي.
الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على الاستراتيجية العسكرية الفرنسية
كشفت الحرب في أوكرانيا عن تحولات عميقة في طبيعة النزاعات الحديثة، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة. فقد تمكنت كييف من الابتكار بسرعة وفاعلية في هذا المجال، ما أسهم في إعادة التوازن في معركة الجو. اعترف الرئيس الفرنسي بتأخر فرنسا مقارنة بدول أخرى في مجال الطائرات المسيّرة، مرجعاً ذلك إلى سرعة الاستجابة الأوكرانية وتفوق بعض الصناعات العسكرية الأجنبية.
هذا الاعتراف دفع فرنسا إلى ضرورة تدارك هذا التأخر دون إبطاء، من خلال الاستثمار في البحث والتطوير في مجال الطائرات المسيّرة، وتعزيز التعاون مع الشركات والمؤسسات البحثية المتخصصة. الاستثمار في القدرات العسكرية أصبح ضرورة ملحة لضمان أمن فرنسا وأوروبا.
الإنتاج العسكري الأوروبي وإعادة التسليح
أوضح الرئيس الفرنسي أن الإنتاج العسكري الأوروبي بدأ يتحسن بعد سنوات من الاعتماد على سلاسل توريد خارجية، لكنه شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب استثمارات واسعة في الابتكارات “المغيِّرة لقواعد اللعبة”، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والقدرات القادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بدقة عالية.
كما دعا إلى تعزيز قدرات القتال البري والبحري والجوي، بما يشمل الطيران القتالي وطيران النقل العسكري. وفي هذا الإطار، أعلن ماكرون تسريع برنامج إعادة تسليح القوات المسلحة الفرنسية، مؤكداً أن ميزانية الدفاع ستُضاعف خلال ولايتين رئاسيتين بقرار سيادي فرنسي مستقل. تحديث قانون البرمجة العسكرية للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030 ينص على جهد إضافي بقيمة 36 مليار يورو، منها 3.5 مليار يورو ستُرصد اعتباراً من عام 2026، بهدف تسريع تحديث القدرات القتالية ورفع الجاهزية العسكرية.
قمة أوروبية للفضاء وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية
أعلن ماكرون أن فرنسا ستنظم خلال الأشهر المقبلة قمة مخصصة للفضاء، تتضمن بُعداً عسكرياً، وتهدف إلى تعزيز الطموح الفضائي الأوروبي، سواء في المجال المدني أو العسكري، بالتعاون مع شركاء أوروبيين، من بينهم ألمانيا وإيطاليا. يهدف هذا التعاون إلى تقليص الاعتماد على التقنيات غير الأوروبية وتعزيز القدرة الذاتية للقارة في مجال الفضاء.
واختتم الرئيس الفرنسي بالتأكيد على أن عقد إعادة التسلّح الذي بدأته بلاده قبل نحو ثماني سنوات بدأ يؤتي ثماره، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستتسم بمزيد من التسريع والحزم، في ظل بيئة أمنية أوروبية وصفها بأنها “الأكثر قسوة وتعقيداً منذ عقود”. الأمن القومي و الاستقلالية الاستراتيجية هما جوهر هذه التحولات.
في الختام، يمثل تعزيز الوجود العسكري الفرنسي في جرينلاند خطوة استراتيجية مهمة في سياق التغيرات الجيوسياسية المتسارعة. إن الاستثمار في القدرات العسكرية المتقدمة، وتعزيز التعاون الأوروبي، والسعي نحو الاستقلالية الاستراتيجية، هي عناصر أساسية لضمان أمن فرنسا وأوروبا في عالم يتسم بالتهديدات المتزايدة. ندعو القراء إلى متابعة التطورات المتعلقة بهذا الموضوع، والتفاعل مع المقالات والتحليلات ذات الصلة.












