لأول مرة منذ 113 عاماً في الدنمارك.. الحزب الحاكم يقر بخسارة انتخابات كوبنهاجن

الانتخابات المحلية في الدنمارك تشهد هزيمة تاريخية لحزب رئيسة الوزراء ميت فريدريكسن، وتُنهي هيمنة طويلة الأمد على كوبنهاجن. هذه النتائج الصادمة هزت المشهد السياسي الدنماركي، وأثارت تساؤلات حول مستقبل الحكومة الاشتراكية الديمقراطية. الانتخابات البلدية والإقليمية التي جرت ليلة الثلاثاء لم تكن مجرد تغيير في الإدارة المحلية، بل كانت تعبيراً عن تحول في المزاج العام الدنماركي.
هزيمة مدوية لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين في الانتخابات المحلية الدنماركية
أقرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميت فريدريكسن بخسارة حزبها الاشتراكي الديمقراطي في الانتخابات المحلية والإقليمية، وفقدان السيطرة على كوبنهاجن لأول مرة منذ 113 عاماً. هذه الهزيمة لم تكن متوقعة، خاصة وأن الحزب ظلّ يسيطر على العاصمة الدنماركية منذ عام 1903. خسر الحزب أكثر من 5 نقاط مئوية على مستوى البلاد، حيث انخفضت حصته من 28.4% في عام 2021 إلى 23.2%. هذا التراجع الكبير يعكس تزايد الاستياء الشعبي من سياسات الحزب، وتصاعد الدعم للأحزاب المعارضة.
صعود اليمين المتطرف وتأثيره على نتائج الانتخابات
في المقابل، شهد حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف ارتفاعاً طفيفاً في الدعم، من 4.09% إلى 5.9%. هذا الصعود يعكس قلقاً متزايداً بشأن قضايا الهجرة والأمن، وهي القضايا التي يركز عليها الحزب اليميني المتطرف. على الرغم من أن الزيادة ليست كبيرة، إلا أنها تشير إلى تحول في الرأي العام نحو مواقف أكثر تحفظاً. النتائج تشير إلى أن الناخبين الدنماركيين يبحثون عن بدائل للسياسات التقليدية التي يتبناها الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
سقوط بيرنيله روزينكرانتز-ثيل وفوز سيسه ماري ويلينج في كوبنهاجن
في كوبنهاجن، لم تحصل بيرنيله روزينكرانتز-ثيل، المرشحة التي اختارتها فريدريكسن شخصياً لمنصب عمدة العاصمة، على الأصوات الكافية. كان يُنظر إلى روزينكرانتز-ثيل على أنها الورقة الرابحة للحزب في العاصمة، لكن حملتها لم تنجح في جذب الناخبين. في المقابل، فازت سيسه ماري ويلينج، من حزب اليسار الأخضر (SF)، بمنصب عمدة كوبنهاجن، بعد حصولها على 17.9% من الأصوات. هذا الفوز يمثل انتصاراً كبيراً لحزب اليسار الأخضر، ويعكس رغبة الناخبين في التغيير.
أسباب الهزيمة: ارتفاع الأسعار، التفاوت الإقليمي، وقضايا الهجرة
عبّرت فريدريكسن عن صدمتها بالنتائج، وأرجعت تراجع شعبية حزبها إلى عدة عوامل. أشارت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واختلال التوازن بين المناطق الريفية والحضرية، بالإضافة إلى الجرائم التي يرتكبها “أشخاص قادمون من الخارج”. هذه العوامل تعكس تحديات حقيقية تواجه الدنمارك، وتثير قلقاً واسعاً بين المواطنين. كما أن إثارة قضية الهجرة، على الرغم من كونها قضية حساسة، قد يكون هدفها تعزيز موقف الحزب المتشدد تجاه الهجرة. الانتخابات المحلية كشفت عن عمق هذه المشاعر.
تاريخ طويل من الهيمنة وتراجع الثقة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي
ظل “الديمقراطيون الاشتراكيون” في السلطة في كوبنهاجن لفترة طويلة، لدرجة أنهم حين تولوا إدارة المدينة لأول مرة عام 1903، كان مبنى البلدية الحالي لا يزال قيد الإنشاء. خلال القرن العشرين، كان الحزب يمثل العمال في مدينة الميناء الصاخب. لكن مع توقع تراجع النشاط الصناعي في كوبنهاجن، بدأ الحزب أواخر التسعينات يركز على تحويل العاصمة إلى وجهة جاذبة للشركات العالمية والمهنيين الحضريين والطلاب الأجانب. هذا التحول أدى إلى تراجع نفوذ الحزب بين الطبقة العاملة التقليدية، وفقدانه لقاعدته الانتخابية.
أخطاء القيادة والمشاكل الداخلية
تراجع نفوذ “الديمقراطيين الاشتراكيين” في كوبنهاجن منذ سنوات، ويرجع ذلك جزئياً إلى مشكلات ارتبطت بقادة الحزب محلياً. ففي عام 2020، استقال العمدة فرانك ينسن بعد ظهور اتهامات بالتحرش الجنسي، وخلفته صوفي هيستورب أندرسن، التي نُقلت لاحقاً إلى منصب وزاري في خطوة يُعتقد على نطاق واسع أنها جاءت نتيجة ضعف ثقة الحزب في فرص إعادة انتخابها. استقدام بيرنيله روسنكرانتس-تايل لإعادة إحياء حظوظ الحزب في العاصمة لم ينجح، بل زاد من شعور الناخبين بانفصال الحزب عنهم. النتائج الانتخابية تعكس هذه المشاكل الداخلية.
مستقبل السياسة الدنماركية وتأثير هذه الهزيمة
هذه الهزيمة التاريخية لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين في الانتخابات الدنماركية تثير تساؤلات حول مستقبل السياسة الدنماركية. هل ستؤدي هذه النتائج إلى تغيير في الحكومة المركزية؟ هل ستشهد الدنمارك تحولاً نحو مواقف أكثر تحفظاً؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى وقت للإجابة عليها. ومع ذلك، من الواضح أن هذه الهزيمة تمثل نقطة تحول في المشهد السياسي الدنماركي، وأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي سيحتاج إلى إعادة تقييم استراتيجيته ومواقفه من أجل استعادة ثقة الناخبين. من المهم أيضاً مراقبة تطورات الأحزاب المعارضة، وخاصة حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف، لمعرفة ما إذا كان سيستمر في اكتساب الدعم.












