روحاني: إيران عالقة في حالة “لا حرب ولا سلام”

إيران في ظلّ “لا حرب ولا سلم”: دعوة لتعزيز الردع من خلال الأمن لا الأمننة
بعد مرور خمسة أشهر على المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، يجد الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، بلاده في وضع هشّ، يصفه بـ “لا حرب ولا سلم”. وفي تصريحات لافتة، شدد روحاني على حاجة إيران إلى “فضاء آمن، لا فضاء أمني”، مؤكداً أن تعزيز الردع الحقيقي يكمن في كسب ثقة المجتمع وجذب النخب، وليس في تشديد الإجراءات الأمنية التي تولد القلق وتعرقل التنمية. هذه التصريحات تأتي في وقت تشهد فيه إيران جدلاً داخلياً حاداً حول مسارات التعامل مع التهديدات الخارجية، وتداعيات الحرب الأخيرة على المنطقة.
تقييم الوضع الحالي: بين التهديد المستمر والحاجة إلى الاستقرار
أشار روحاني إلى أن الأمن ضروري، لكن تحويل المجتمع إلى مجتمع أمني يضر بالثقة العامة، وهي أساس أي تقدم. فـ”الأمن يخلق الثقة والطمأنينة، بينما الأمننة تزيل الثقة وتثير قلق الناس”. هذا التمييز مهم، خاصة في ظل الشعور المتزايد بعدم اليقين الذي يخيم على الساحة الإيرانية. فالحديث عن تحقيق نمو اقتصادي أو خفض التضخم يصبح بلا معنى إذا لم يشعر المواطن بالأمان النفسي والمجتمعي. روحاني يرى أن حالة “انعدام الأمن النفسي والمجتمعي والفكري والذهني” أصبحت واقعاً ملموساً في إيران، وهو ما يستدعي معالجة جذرية.
الردع الشامل: رؤية روحاني لمواجهة التحديات
يرى الرئيس الإيراني الأسبق أن الردع ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو منظومة متكاملة تشمل القدرات الاستخباراتية، والتكنولوجية، والوحدة الوطنية. وشدد على ضرورة تطوير القدرات الاستخباراتية والتعاون مع أجهزة الاستخبارات في الدول الأخرى، بالإضافة إلى دعم شعبي لهذه الأجهزة. كما أكد على أهمية جذب النخب الإيرانية الموجودة في الخارج، وتعزيز قدرات تكنولوجيا المعلومات، وهو ما يتطلب بالضرورة تهيئة مناخ من الثقة والانفتاح.
تعزيز القدرات الدفاعية والاستخباراتية
أكد روحاني على أن الهدف من الردع يجب أن يكون منع العدو من التفكير في شن أي هجوم، وفي حال وقوعه، امتلاك القدرة على تقليص الخسائر وإنهاء الحرب في أقصر وقت ممكن. وهذا يتطلب، بحسبه، “ترميم وتعزيز قدراتنا الردعية… حتى نتمكن سريعاً من إعادة الردع الحقيقي في مواجهة مؤامرات العدو”. كما لفت إلى أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة لم تتمكن من إرباك المنظومة الدفاعية الإيرانية بفضل “إعادة التنظيم السريعة”.
أهمية الوحدة الوطنية وجذب النخب
لا يمكن الحديث عن الردع الفعال دون وجود وحدة وطنية قوية. فالخلافات الداخلية، كما حذر منها المرشد الأعلى علي خامنئي، تشكل نقطة ضعف يمكن استغلالها من قبل الأعداء. كما أن استعادة ثقة النخب الإيرانية وتشجيعها على العودة والمساهمة في بناء الوطن يعتبر عنصراً أساسياً في تعزيز القدرات الإيرانية في مختلف المجالات.
الردع الإقليمي والدبلوماسية: أبعاد استراتيجية
لا يقتصر مفهوم الردع بالنسبة لروحاني على الجانب الداخلي فحسب، بل يمتد ليشمل الإقليم. فهو يعرب عن أسفه لغياب “الردع الواسع” في المنطقة، ويصف الوضع بأنه “تحت هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل”. ويؤكد أن تعزيز استقلال دول المنطقة، وتقوية قدراتها، يصبّ مباشرة في مصلحة إيران. كما يؤكد على أن الدبلوماسية تعد خط الدفاع الأول لدرء الحرورات قبل وقوعها، وأن بناء شبكة قوية من العلاقات الإقليمية والدولية يمنح طهران القدرة على تحييد التهديدات. فالدبلوماسية الفعالة، بحسب روحاني، جزء لا يتجزأ من منظومة الردع الشامل.
الاتفاق النووي والوضع الحالي: دروس مستفادة
دافع روحاني عن الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015، معتبراً أنه وفر لإيران “أمناً نووياً” ومنع تحويل برنامجها النووي إلى قضية أمنية تهدد البلاد. كما أشار إلى أن استمرار الاتفاق كان سيمنع اندلاع الحرب الأخيرة، وأن الأعداء استخدموا الملف النووي كذريعة للهجوم. وينتقد روحاني بشدة فشل الحكومات اللاحقة في إعادة إحياء الاتفاق، معتبراً أن هذا التعثر أدى إلى الوضع الحالي.
وفي الختام، يبقى السؤال المطروح هو: هل ستتبنى القيادة الإيرانية رؤية روحاني في تعزيز الردع من خلال الأمن لا الأمننة، والتركيز على الدبلوماسية والوحدة الوطنية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد بشكل كبير مستقبل إيران وموقعها في المنطقة. فالوصول إلى وضع “آمن” حقيقي يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، وجهوداً مضاعفة لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار، وليس فقط الاعتماد على القوة العسكرية. هذا التحول ضروري لمواجهة التحديات الماثلة وتحقيق التنمية المستدامة في إيران.












