اخر الاخبار

استراتيجية الدفاع الأميركية 2026.. أولويات الأمن الداخلي وردع الصين تسبق دعم الحلفاء

في تحول استراتيجي كبير، كشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عن استراتيجية دفاع وطني جديدة، مساء الجمعة، تعيد رسم أولويات الأمن القومي للولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية، التي صدرت بعد شهر من إعلان الرئيس دونالد ترمب استراتيجيته للأمن القومي، تركز بشكل متزايد على حماية المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وتدعو حلفاء واشنطن إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، في تغيير ملحوظ عن التركيز التقليدي على مواجهة الصين.

تحول الأولويات: من آسيا إلى نصف الكرة الغربي

تُمثل هذه الوثيقة، “استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026″، أول مراجعة شاملة لاستراتيجية الدفاع الأمريكية منذ عام 2022. وتشير بوضوح إلى أن الجيش الأمريكي لم يعد يضع الصين كتركيزه الأساسي، بل ينصب اهتمامه على الأراضي الأمريكية وحماية مصالحها في منطقة تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية متزايدة. هذا التحول يعكس قلقًا متزايدًا بشأن التهديدات الناشئة في القارة الأمريكية، بما في ذلك الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، وأهمية تأمين الوصول إلى مناطق حيوية مثل جزيرة جرينلاند وخليج المكسيك وقناة بنما.

انتقادات للنهج التقليدي ودعوة إلى المشاركة الأكبر للحلفاء

التقرير، الذي يبلغ طوله 25 صفحة، لم يتردد في توجيه انتقادات للنهج الذي اتبعه الحلفاء في أوروبا وآسيا، واصفًا إياهم بالاعتماد المفرط على الدعم الدفاعي الأمريكي. وتدعو الاستراتيجية الدفاعية الجديدة إلى “تغيير حاد” في الطريقة التي يتعامل بها الحلفاء مع أمنهم، مطالبةً إياهم بتحمل “جزء أكبر من العبء” في مواجهة تحديات مثل روسيا وكوريا الشمالية. الجملة الافتتاحية للوثيقة تعكس هذا التحول في الفكر، حيث تشير إلى أن الحكومات الأمريكية السابقة “أهملت – وحتى رفضت – إعطاء الأولوية للأمريكيين ومصالحهم الملموسة”.

الصين: ردع وليس مواجهة

على الرغم من هذا التحول في الأولويات، لا تتجاهل استراتيجية الدفاع الوطني التهديد الذي تمثله الصين. لكنها تتبنى نهجًا مختلفًا، يركز على “الردع لا المواجهة” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. تؤكد الوثيقة على سعي الرئيس ترمب إلى “سلام مستقر وتجارة عادلة وعلاقات قائمة على الاحترام مع الصين”، مع الإعراب عن استعداده للتواصل المباشر مع الرئيس شي جين بينج لتحقيق هذه الأهداف.

تعزيز قنوات الاتصال العسكرية مع بكين

تتماشى هذه الرؤية مع رغبة ترمب في التفاوض من “موقع قوة”. لذلك، تسعى وزارة الدفاع بقيادة بيت هيجسيث إلى “فتح نطاق أوسع من قنوات الاتصال العسكرية مع جيش التحرير الشعبي”، مع التركيز على “دعم الاستقرار الاستراتيجي مع بكين، بالإضافة إلى تجنب الصدام وخفض التصعيد بشكل عام”. تهدف هذه القنوات إلى إدارة التوترات وتقليل خطر سوء التقدير الذي قد يؤدي إلى صراع. وتشدد الاستراتيجية على أن الهدف ليس الهيمنة على الصين أو إضعافها، بل “منع أي جهة، بما فيها الصين، من الهيمنة علينا أو على حلفائنا”.

روسيا: تهديد مستمر ولكن محدود

بينما تعتبر روسيا “تهديدًا مستمرًا” لدول الجناح الشرقي لحلف الناتو، تستبعد الاستراتيجية الدفاعية الجديدة قدرتها على “الهيمنة على أوروبا”. وتشير إلى أن أوروبا تتفوق على روسيا من حيث عدد السكان والحجم الاقتصادي، مما يجعل الهيمنة الروسية غير واقعية. ومع ذلك، تحذر الوثيقة من أن الحرب في أوكرانيا تظهر أن روسيا لا تزال تحتفظ “بمخزون كبير من القوة العسكرية والصناعية” و”العزيمة الوطنية اللازمة لمواصلة حرب طويلة الأمد”.

تعزيز الدفاع الأوروبي

في ضوء ذلك، تؤكد الاستراتيجية على أن حلفاء الناتو في أوروبا “أقوى بكثير من روسيا” وقادرون على “تولي المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي عن أوروبا، مع دعم أمريكي حاسم ولكنه محدود”. وتدعو إلى زيادة الإنفاق الدفاعي من قبل حلفاء الناتو إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع استثمار 3.5% في القدرات العسكرية. هذا التحول يهدف إلى تخفيف العبء على الولايات المتحدة وتمكين أوروبا من الدفاع عن نفسها بشكل أكثر فعالية.

إيران وكوريا الشمالية: تقييمات جديدة

تقدر استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 أن إيران لا تزال تسعى إلى إمكانية امتلاك سلاح نووي، على الرغم من نفيها المستمر لذلك. وتعتبر أن إيران “أصبحت اليوم أضعف وأكثر هشاشة مما كانت عليه منذ عقود”، نتيجة للضربات الأمريكية والإسرائيلية. أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فتقترح الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستلعب دورًا “أكثر محدودية” في ردعها، مع نقل الجزء الأكبر من المسؤولية إلى كوريا الجنوبية. هذا التقييم يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية نحو التركيز على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، بدلاً من القيم التقليدية المتعلقة بنزع السلاح النووي.

في الختام، تمثل استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة تحولًا جذريًا في السياسة الأمنية الأمريكية، يعكس رؤية الرئيس ترمب لإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على حماية المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي. هذه الاستراتيجية تدعو إلى مشاركة أكبر من الحلفاء، وتتبنى نهجًا براغماتيًا تجاه الصين وروسيا، مع تقييمات جديدة للتهديدات التي تمثلها إيران وكوريا الشمالية. من المتوقع أن تثير هذه الاستراتيجية نقاشًا واسعًا حول مستقبل الأمن العالمي ودور الولايات المتحدة فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى